ابن بسام
198
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
لغيض وحمته من الخطوب خطب ، فاليأس قاطع أسباب الطّلاب ، ومغلق من النّجح جميع الأبواب ، ولكنّها النفس ما بقيت لها حشاشة فهي تشفّ إلى طمع ، وتنهض على ظلع ، وتجهد ألا تقصّر [ 70 ب ] إلى أن [ 1 ] تموت فتعذر . وفي فصل من أخرى : ليت شعري متى افتتح بالرّضى ، وهل أكتب وقتا من الدهر ولا أتشكّى ، فإني أحمد اللّه على حياة أقطعها في شدائد لا تنثني ، وسكرات غمّ لا تنجلي ، ونكد أخلاق لا يشوبه ابتهاج ، وضيق أحوال لا يتخلّلها انفراج ، ولئن كان باقي العمر كماضيه ، وعوائد العيش كبواديه ، فالحمام أعذب موردا ، والوفاة أحسن مشهدا ، فليس [ بعد ] هذا العذاب ما هو أشدّ ، فلكلّ شيء مدى ينتهي إليه وحدّ ؛ فسبحان من جعل الدنيا دار كرب ومحنة ، لكلّ ذي لبّ وفطنة ، ومقام تنعّم وترف ، لكلّ ذي خسّة ونطف [ 2 ] ، وسبحان من ابتلى فيها ذوي الفضل والنّهى بكل قعط [ 3 ] بنفسه ويستشرف من سماء المجد ، ويلتفّ في جعسه ويستقذر عنبر [ 4 ] الهند . وفي فصل من أخرى : كتابي وقد لقيت من التعذّر في الدنيا ما صحّح منها اليأس ، وأراح من وسواس الترجّي للنفس ، وأغراني برفض المطالب ، بما أفادني من التجارب ، وقد خلعت عني ذلّ الطمع ، ولبست عزّ التوكّل ، / وسلمت إلى من له الأمر ، وبيده النفع والضّرّ ، وإليه العطاء والمنع ، وأنا في هذا الوقت منشرح الصدر ، خلو من الفكر ، وسبب ذلك كلّ [ 5 ] خير من قبل فلان ، فإنّه لما علم كربتي ، لم يزل يتلطف في صلتي ، فللّه هو إذا بهرج الرجال نقد ، وقلّل تحصيلهم في الفضل عدّ ، ما أميزه بالدنيا [ 6 ] ، وأسراه في طرق العليا ! وما أعرفه من أين يؤتى [ المجد ] ، وكيف يقتنى الثناء والحمد ! ومما أنفذت إليك [ 7 ] من مخاطباتي [ 8 ] تقف على انفراده بالفضل ، وارتفاعه عن المثل .
--> [ 1 ] ط د س : إلا أن . [ 2 ] النطف : العيب الفساد ؛ ط س د : لطف . [ 3 ] د ط س : محط ؛ ب م : قحط ؛ والقعط : الذليل . [ 4 ] د ط س : عبير . [ 5 ] ط س د : وكل . [ 6 ] ط د س : بدنيا . [ 7 ] ب م : إليه . [ 8 ] م : مخاطبتي .