ابن بسام
174
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وفي فصل منها : وقد كان يلزمك [ 1 ] أن تعرض على نفسك ، إن كنت ثلبت عدوّا قط بحضرتك ، أو تنقصت مخلوقا بمشهدك ، على طول المجاورة ، وكثرة المعاشرة ، فتجعل ذلك عيارا لك ، وقياسا مطردا قبلك ؛ اللهمّ إلّا إن كنت عددت ما كنّا نتفاكه [ به ] جماما للنفوس ، ونتعاطاه عند معاطاة [ 2 ] الكئوس ، [ من ] توقيع نادر ، وهزل حاضر . فما أشدّ ما غيّرتك الأيام والليال ، وقلّبتك الأقوال ، أين يذهب بك الكاشحون ، وكيف يزخرفك المزخرفون ؟ ! واللّه لو كنا من الأغمار ، وممن لم يحنّكه الليل والنهار ، ما وجب علينا مع الذّمام المؤكد ، والعقد المشدّد ، أن تحملنا الأيام وخطوبها ، ولا أن تعصف بنا الرياح وهبوبها ، فكيف وقد حلبنا شطور الدهر ، وعرفنا أحوال العسر واليسر ، واعرورينا ظهور العرف والنكر ، وركبنا متون البرّ والبحر ، وجمعتنا الشدّة واللّيان ، وحالت علينا حالات الأزمان ، وأرضعتنا [ 3 ] بلبانها الكئوس ، وتصرّفنا مع الرئيس والمرءوس ، فلم يكن في خلال ذلك كلّه إلا نظام متّسق ، وأمر متفق ، وشعب ملتئم ، وسلك منتظم . وفي فصل منها : ولقد شهدت [ 4 ] فلانا ينحي عليك ، وينسب كلّ مكروه إليك ، بغاية السبّ ، ونهاية الثلب ، فقلت له : بفيك الحجر / والأثلب [ 5 ] ، فخرج وهو يجمجم ، كالمتّهم لي بزعمه ، ولم يختلج قط في صدري تلك الحماقات ، ولا شغلت سرّي تلك الهنات ، يعلم ذلك من عنده مغيّبات الأمور ، ولديه خفيّات الصدور . ولقد كنت أشفق عليه وأحرص على خيره ، وكانت ظنونه على حسب سريرته ، وتوهّمه بمقدار معتقده ، وبحقّ يقول أبو الطيب [ 6 ] : إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه * وصدّق ما يعتاده من توهّم [ 62 أ ] وعادى محبّيه بقول عداته * وأصبح في ليل من الشكّ مظلم فسلّط [ 7 ] لسانه ، وصدّق ظنونه ، وبلغتني قوارضه فلم أقارضه رغبة في فيئته ، وحرصا على رجعته ، وأما أنت فعذرك يضيق ، وأنت الحميم الصديق ؛ وقد كان انتهى
--> [ 1 ] د ط س : يحب . [ 2 ] د ط س : ونتعاطاه معاطاة . [ 3 ] ط د س : وارتضعنا . [ 4 ] ط : شهدت أن . [ 5 ] الأثلب : التراب والحجارة أو فتاتها . [ 6 ] ديوان المتنبي : 456 . [ 7 ] ط د س : فصدق .