ابن بسام
171
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
الرّحمن [ 1 ] المتلقب بالمنصور ، فنهل أبو عامر في دولته وعلّ ، ونهض بأعباء مملكته واستقل ، وكان بينه وبين أحمد بن عباس ، كاتب زهير الفتى - المتقدّمي الذكر [ 2 ] - مكاتبات تنازعا فيها فضل البلاغة والبراعة ، وتسابقا منها إلى غايات هذه الصناعة ، وقد أثبت منها ومن سائر كلام أبي عامر في هذا الديوان ، ما يقضي له بالإحسان ، ويشهد بتبريزه على أهل الزمان . فصول من رسائله السلطانيات فصل له من رقعة عن المنصور إلى مجاهد الموفق ، وقد أظلم بينهما الأفق [ 3 ] : إن أولى النّاس بالاصطلاح [ 4 ] نفوس جبلت على صفو ودادها ، وأحقّ الذنوب بالاطّراح ذنوب جنيت على غير اعتقادها ، وإن رسولك الكريم وردني فلم يتردد عندي إلّا ريثما يقدح زند الوداد في نفسك النفيسة ، فيوري سراجا من الصّلة أسري به في ظلماء القطيعة . قال أبو الحسن [ ابن بسام ] : وكان مجاهد الملقّب بالموفّق قد انتزى على دانية والجزائر الشّرقية بغدره لعبد الرّحمن بن أبي عامر مولاه - حسبما ذكرناه - وحظوته بذلك عند محمد بن هشام بن عبد الجبار الناصريّ عدوّه / ناقض الدولة العامرية ، فشرد على [ 5 ] أصحابه الموالي العامريين ؛ وكان مجاهد لا يستظهر بشيء من الحزم ، بل عمله في الأغلب من تدبيره بالغلبة والمناواة ، وتعويله على المساماة ، واستراحته إلى الغدر ، فلا يزال أمره ينتقض مع لازم الحرمان الموكّل به ، حتى يردّه على عقبه ، فكم فضّ من جيش ، وأذلّ من عزيز ، وأباح من حمى ، ووجّه من فتح ، يقال له ما بعده ، حتى إذا همّ أو كرب لم يلبث أن ينحسر عنه ، ويعود في أكثر الأمر غمّة عليه ، ثم يلبد مدة فيثب كالليث ؛ له في هذا الباب كلّه أخبار مأثورة مشهورة ، وقد قدمنا القول فيه أنه كان أديب ملوك ذلك الزمان [ 6 ] ؛ كتب [ 7 ] يوما إلى المنصور حفيد ابن أبي عامر رقعة لم يضمنها غير
--> [ 1 ] د ط س : عبد العزيز بن أبي عامر . [ 2 ] في القسم الأول من الذخيرة . [ 3 ] اقتبس ابن سعيد هذه الرسالة في المغرب 1 : 332 . [ 4 ] م : بالإصلاح . [ 5 ] ط د س : عن . [ 6 ] ط د س : ملوك وقته . [ 7 ] وردت هذه القصة في المغرب واعتاب الكتاب والنفح 4 : 132 .