ابن بسام

114

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

لاحق بهم ، فدبّر من مكانه ، موضع اعتقاله ، الهجوم على أبيه ، والتسوّر على قصره من قبل عورة عرفها كيف [ 39 أ ] يفتك به ويصير مكانه ، وساعده الموكّلون به على الأمر وقد منّاهم ببلوغ الأمل بتمامه ، فقاموا معه في ما أراد من ذلك ، والقدر يجدّ بهم وبه ، إلى أن وقع في يد والده كرّة أخرى فبطش به ولم يقله ، وتفرّد بقتله جوف قصره ، فلم يقف أحد على مصرعه لطمس آثاره وآثار جميع أصحابه وغلمانه وخواصّه ، بعد أن جلد بعضهم ، وقطع أطرافهم ، وتجاوز إلى الضعفاء من حرمه ونسائه فأتى على خلق منهم سرّا وجهرا ، ومثّل بهم أنواع المثلة ، حتى طهّر أثر ولده هذا وقطع دابره ، فكأن لم يكن قطّ أميرا ، ولا أنفذ / حكما ، ولا قاد جيشا ، واللّه يملي لمن شاء ، ويستدرج من يريد ، له القوّة البالغة . وما ابن عباد ببدع فيما أتاه في هذا ، فقد يضطرّ الملوك مع ذوي أرحامهم السامين إلى نيل مرامهم من مستجرئ عليهم ، إلى ما يحملهم على انتهاك أكثر من ذلك حبّا للحياة الدنيا الغريرة ، ومنجاة بالرغبة من الفرقة المبيرة ، على أن العفو أقرب للتقوى لا محالة ، مع أن أسباب الملوك الاضطرارية لا تحتمل الاستقصاء ، ولا تعرض للتمحيص ، قرن اللّه بأعمالهم الصلاح ، وجنّبهم بمنّه الجناح . قال ابن بسام : وكان خاطب المعتضد يومئذ جماعة [ من ] حلفائه وقصّ عليهم نبأه [ مع ابنه ] ، فمن جواب بعضهم له في فصل قال فيه : تقديم الوصف - أيّدك اللّه - للوداد والاعتقاد ، من المتعارف المعتاد ، فيستفتح [ 1 ] به أوّل المكتوب ، كما يستفتح الشعر بالنسيب ، لكني - أيدك اللّه - أربأ بجلبها عن شاهد غير الضمير ، وواصف غير ما في الصدور ، وبرهان غير الناظر المشهور ، وأرمي شاكلة الغرض ، وأصف ما أباتني ليالي على قضض ومضض ، ثم ما ردّ باقي الأنس ، وشفى لاعج النفس ، فإن الأنباء وردتني عن المنصور أبي الوليد ابنك ابني - أعزه اللّه - بانزعاجه أولا ، وأبطأت الجليّة كملا ، فأشفقت على يقيني [ 2 ] أن الداخلة تصدّه ، والحقيقة تردّه ، وأن شهامته جمحت به ، وصرامته صرمت منه ، وأنه حسام دلق من غمده ، وسهم نفذ وراء غرضه وحدّه ، وأن ريح الصّبا عصفت عليه وهو لدن المعطف ، وغرة الشباب اهتبلته [ 3 ]

--> [ 1 ] ط د س : يستفتح . [ 2 ] ط د س : يقين . [ 3 ] د ط س : اهتبلت غرته .