ابن بسام
100
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
لا تكثرنّ تأمّلا * واحبس عليك عنان طرفك فلربّما أرسلته * فرماك في ميدان حتفك وكتب إلى بعض إخوانه [ 1 ] : من صحب الدهر - أعزّك اللّه - وقع في أحكامه ، وتصرّف بين أقسامه : من صحّة وسقم ، ووجود وعدم ، وفتاء [ 2 ] وهرم ، وبعاد واقتراب ، وانتزاح واغتراب ، واتّفق لي ما قد علمت من الانزعاج والاضطراب ، والتغرّب والإياب ، لا واللّه ما جرى من حركاتي شيء على مرادي واعتقادي ، وإنما هيّأتها الأقدار والآثار ، وعند ورودي أعلمت بما أصابتك [ به ] صروف الأيام ، من / الامتهان والائتلام ، فيعلم اللّه لقد ألمت لذلك نفسي ، وساء به أثر الزمان عندي ، فقد جمعتنا حوادث الأيام وصروفها ، وقد اختلفت أنواعها وصنوفها ، على أنّ الذي أصابك أثقل عبئا ، وأعظم رزءا ، واللّه يعظم أجرك ، ويجزل ذخرك ، ويجعل هذه الحوادث آخر حوادثك ، وأعظم كوارثك ، حتى يستديم ما بعدها من سرّاء سابغة تنعم بالك وخاطرك ، وتقرّ عينك وناظرك ، ولا زلت من خطوب الدهر في جهة من الكفاية مكينة ، ودرع من الحماية حصينة . وكتب مهنئا للمعتضد بأخذ شلب [ 3 ] : كتابي - أعزّك اللّه - عن حال قد أطلّ جناحها ، وآمال قد أسفر صباحها ، ويد قد أورى [ 4 ] زندها ، ونفس قد انتجز وعدها ؛ أعزز به من صنع جميل صنع اللّه لك بحصول قاعدة شلب وذواتها في قبضتك ، واستظلال ذلك الأفق بظلّ طاعتك ، وخروج صاحبها عنها من غير عقد عاصم ، ولا عهد لازم ، قد خاب ظنّه في التماسك ، وأخلفه [ 5 ] أمله في التهالك ، فأيّ نعمة ما أجلّها وأجزلها ! وأيّ منّة ما أتمّها وأجملها ! على حين تضاعف حسن موقعها ، وبان لطف محلّها وموضعها ، ولاحت عنوانا في [ 34 أ ] صحيفة مساعينا ، وبرهانا على تأتّي أراجينا ، فالحمد للّه على ما منّ به وأحسن ، حمدا يوافي الحقّ ويقضيه ، ويحتوي على المزيد ويقتضيه ، وهو المسؤول أن يتبعه بأشكاله ، ويشفعه بأمثاله ، فظهوري منوط بظهورك ، وسروري موصول بسرورك ،
--> [ 1 ] انظر : القلائد : 181 . [ 2 ] ب : وفتى ؛ م : وفتو . [ 3 ] القلائد : 182 ، والخريدة 2 : 479 . [ 4 ] القلائد والخريدة : اشتد . [ 5 ] ب م : وجعله ، والتصويب عن القلائد .