ابن بسام
509
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وله من أخرى : كتبت والعهد يرفّ ماؤه ، ويشف ضياؤه ، وتتألّق غرّته ، وتشرق أسرّته ، والودّ كما تدريه ، لا مزيد على ما تعلم « 1 » فيه ، وإن كانت القلوب تتناجى على البعاد ، بألسن الوداد « 2 » ، وتتراءى على الفراق ، بأعين الوفاق ، فربّما أحوجت دواعي الأيام ، إلى المفاوضة « 3 » بالأقلام ، لضرورة لا بدّ من الإفصاح عنها ، والخروج شفاها « 4 » منها . وغاب فلان - أعزّه اللّه - وأنت تواليه وتناصره ، وتؤاخيه « 5 » وتظافره ، فلك الفضل في إيصال أحرفي ، والعذر على « 6 » تخلّفي ، فكان يجب أن أزوره / ولو على قدمي ، ولا أخاطبه إلّا بفمي لا بقلمي ، لكن هي الأيام وعواديها ، والأقدار ومجاريها ، ولو أعطيت أعنّة الاختيار ، لطرت إلى جنابه كلّ مطار ، ولكنت في بابه أوثق مسمار ، وإن كانت مهلة انحشرت في زمرته ، وتشرّفت بخدمته . وله من أخرى : لو أنّ جهتي غضّة على مطاويها ، لم تؤثّر أيدي الغير فيها ، ولا تحيّفتها الفتن بحوادثها ، ولا نظرت إليها المحن بكوارثها ، لوجب عليّ المبادرة إلى الهجرة ، والتحوّل إلى الحضرة ، التي الفقيه الأجلّ القاضي سيّد الأمة فيها ، وبيديه أزمّة أوامرها ونواهيها ، ولحقّ على مثلي الانحياز إلى فئته ، والانحشار في زمرته ، والانحياش إلى جنّته ، ولكان تنقّلي لذراه ، لتقيّل بعض سجاياه ، على حسب قدرتي ، ومبلغ منّتي ، ومنتهى قوّتي ، ولعذت بعلاه من أن أرجع أعرابيا بعد الهجرة ، وبدويا بعد لزوم الحضرة ، فكيف وأنا آخذ من اجتبائه بأوفر « 7 » قسم ، وأضرب في ولائه بأوفر سهم ؟ ! وجهتي خاوية على عروشها ، خالية من أنيسها ، فبينها وبين النصارى ، أقصر من إبهام الحبارى ، هي مجرّ عواليهم ، ومجرى مذاكيهم ، ومورد صاديهم ، وموقد صاليهم ، ومخفق أعلامهم ، ودريّة سهامهم « 8 » ، ومسرح جيادهم ، ومركز صعادهم : الخروج عنها غنيمة ، والسلامة
--> ( 1 ) ل : علم . ( 2 ) ط د : المداد . ( 3 ) ط د : المعارضة . ( 4 ) ط د ك : سفاها . ( 5 ) ط د : وتواضبه ؛ س : وقواصيه ؛ ل : ونواصيه ( اقرأ : وتواصيه ) . ( 6 ) س ك ل : عن . ( 7 ) قد تقرأ في ل : بأبر . ( 8 ) أقصر من . . . سهامهم : اقتبس ابن بسام بعضه : 374 س : 9 - 11 .