ابن بسام
507
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وقد كان من حق الإخاء أن لا تهبّ عواصفك على نسيم عليل ، وتجهّز كتائبك إلى عدد قليل ، وحدّ « 1 » فليل ، وبدون هذا كنت أواليك مبايعا ، وأعطيك صفقة يدي بالعجز طائعا ، فلست ممن يعارض قوة البرهان بضعف الإقناع ، ويشتبه عليه فرق ما بين الإمكان والامتناع ، وإني لأعلم / ممرّ سهمي فأقف وأنصرف ، ومنهى علمي فأنصف وأعترف ؛ وأما العذر الذي بسطته في معنى الوهم ، فقد كنت غنيّا عن مدّ أوضاحه ، وحريّا باطّراحه لاتّضاحه ، وهيهات أن يلتبس عليك الغريب ، فكيف القريب ؟ ! أو يشتبه لديك الخفيّ ، فكيف الجليّ ؟ ! وما حسبتها إلّا تميمة في صدر الكتاب ، تصرف عنك أعين الكتّاب . وبعد - باعدتك الأسواء - فإنّ رسمي في صناعة الكتابة قد دثر ، ونظمي في ضبط « 2 » معانيها قد انتثر ، ولم يبق عندي منها إلّا أثر خراب ، أو لمع سراب ، فإذا امتريت خلفها درّ بعسر ، وعلى قسر ، وتحلّب رسله بضجر ، كأنما يتفجّر من حجر . وهي خطّة مدارها على الإقبال ، وفراغ البال ، وزمامها في يد الشباب ، مع توكّد الأسباب ؛ وأنا - أعزك اللّه - قد عطّلت صهوة جوادها ، ونزلت عن ذروة أعوادها ، فلا ترهقني فيها عسرا ، ولا تحمّلني من مناهضتك إصرا ، وتوخّ بفضلك معي جانب الترفيه والتخفيف ، وتقبّل مني عفو اليسير الطفيف ، وأقرأ عليك من سلامي ما يربي على القطر ، ويزري بعنبر الشّحر ، ويبقى ميسمه في صفحة البدر . قال ابن بسّام : قول أبي القاسم : « وما حسبتها إلا تميمة في صدر الكتاب » احتذى في ذلك حذو أبي المغيرة ابن حزم ، في فصل خاطب به ابن عمه الفقيه أبا محمد ابن حزم في حرف همزه ، مما لا يهمز ، فقال له « 3 » : ومن أين نفذ بصرك حتى همزته همز عامر بن الطفيل ، قرنه في / سواد الليل ، وما أظنك جعلتها إلا تميمة ، لتلك القطعة الكريمة ، وامتثالا لقول القائل : ما كان أحوج ذا الكمال إلى * عيب يوقّيه من العين
--> ( 1 ) ل : عديد . . . وبديد . ( 2 ) ل : ضنك . ( 3 ) انظر القسم الأول من الذخيرة : 163 - 164 .