ابن بسام

404

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

الجميل في سالف المدّة « 1 » ، أشرف ذخيرة وعدّة ، فلما ملّكك الفضل أزمّة النقض والإمرار ، ورتّبك في ديوان الإيراد والإصدار ، علم « 2 » أنه لا يسقط نجمه مع علوّ نجمك ، ولا تلدغه عقارب الدهر وهو يرقيها باسمك ، وأنت - دام عزّك - تسمه بميسم إيجابك « 3 » ، وتقيّده بالإحسان في جنابك ، وتطيع الكرم « 4 » في رعاية نزاعه ، ومحافظة تأميله وانقطاعه ، ومهما تعتمده به من مبرّة ، وتسديه إليه من عادة مستمرة ، فإنما تسقي غرسك ، وتبني أسّك . وله من أخرى : أما الودّ أعزك اللّه - فمقيم ، والعهد كريم ، والإخاء مخيّم لا يريم ؛ لكنّي « 5 » أخبرك عن حال مختلّة ، ونفس معتلّة ، وشغل بك قد ضيّق الصدر ، وأظلم منير الفكر ، بما وقفت عليه من كتابك ، واستطلعته من خطابك ، فتجرعت الكمد - علم اللّه - مرّ المذاق « 6 » ، وشربت من كأسه المترع الدّهاق ، وعلمت أنه جنس ذليل ، ورهط مخذول / وحزب مفلول بل مقتول ، حيث لا ناصر فيستصرخ ، ولا فحم لقين فينفخ ، ولا وزر إلّا العبرات تستنجد ، والزفرات « 7 » تستحثّ فتوقد . وقلّ غناء عنك دمع تجربه ، أو حزن تبديه ، أو صديق « 8 » لا يملك إلا التفجّع ، ولا يستطيع إلا التلهّف والتوجّع ، لكنه في الشرّ خيار ، وفي الأرض قرار ، وفي الناس منتجع ومزدار ، وإلى اللّه انقطاع وفرار ؛ وصاحب الشرع عليه السلام قال « 9 » : « لا تلثّوا بدار معجزة » « 10 » ؛ وقال الأول : « وإذا نبا بك منزل فتحوّل » « 11 » وأنت - ولا عتب - تقيم بذلك « 12 » الإقليم ، مقام عير الحيّ والوتد « 13 » ، ولا

--> ( 1 ) م س ل : المودة . ( 2 ) م ل : علم لنا . ( 3 ) م : إلحافك ؛ س : الحافل ؛ ط د : إلحائك . ( 4 ) ل م : الدر ( لعلها : الود ) . ( 5 ) ل : لكن . ( 6 ) م ل : من المراق . ( 7 ) م س ل : وزفرات . ( 8 ) م : صديع ؛ س ل : صديغ . ( 9 ) م س ل : يقول . ( 10 ) في النسخ : تلبثوا . . . م : المعجزة ؛ وفي اللسان ( عجز ) أنه من حديث عمر ، ومعناه لا تقيموا ببلدة تعجزون فيها عن الاكتساب والعيش . ( والمعجزة بفتح الجيم وكسرها ) . ( 11 ) التمثيل والمحاضرة : 400 . ( 12 ) ط د : ذلك . ( 13 ) يريد مقام ذل ، مشيرا إلى قول الشاعر : ولا يقيم على ضيم يراد به * إلا الأذلان عير الحي والوتد