ابن بسام
316
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
فاستمرّ على ضلاله ، وزاغ عن سنن اعتداله ، وأظهر الناقضة ، وتعرض - بزعمه - إلى المساورة والمعارضة ، فلم يزل يريغ الغوائل ، وينصب الحبائل ، ويركب في العناد أصعب المراكب ، ويذهب منه في أوعر المذاهب ، حتى علقته تلك الأشراك التي نصبها ، وتشبّثت به مساوئ المقدّمات التي جرّها وسبّبها ، فذاق وبال فعله وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ( فاطر : 43 ) ولم يحصل في الأنشوطة التي تورّطها ، والمنحسة « 1 » التي اشتملت عليه وتوسّطها ، إلّا ووجه العفو له قد أظلم ، وباب الشفاعة فيه قد أبهم ، ومن تأمّل أفعاله الذميمة ، ومذاهبه اللئيمة ، رأى أنّ الصفح عنه بعيد ، والإبقاء عليه داء حاضر عتيد ؛ ومثلك في رجاحة ميزانه ، ومعرفته بأبناء زمانه ، لم يجهل بدأة حاله من القلّ والضّعة ، وارتقاءه منها إلى الرفعة والسّعة ، وإنشاله من ذلّ الخمول ، إلى العزّ العريض الطويل ، وتسويغه عقائل الأموال ، وجلائل الأحوال . وفي فصل منها : ففوّق لمناضلة الدولة نباله ، وأعمل في مكايدتها « 2 » / جهده واحتياله ، ثم لم يقتصر على ذلك ، بل تجاوزه إلى إطلاق لسانه بالذمّ الذي صدر عن لؤم نجاره ، والطّعن الشاهد بخبث طويّته وإضماره ، ومن جهل مقدار تلك النعمة التي كان سوّغها أوّلا ، أخلق به أن لا يعرف مقدار العفو عنه آخرا ، ومن فسد هذا الفساد كيف يرجى استصلاحه ؟ ومن استبطن مثل غلّه كيف يؤمّل فلاحه ، ومن لك بسلامة الأديم النّغل ، وصفاء القلب الدّغل ؟ ! وعلى ذلك فلا أعتقد عليك [ 81 أ ] فيما عرضت به من وجه الشفاعة غير الجميل ، ولا أتعدّى فيه حسن التأويل ، ولو « 3 » وفدت شفاعتك في غير هذا الأمر الذي سبق فيه السيف العذل ، وأبطل غافل « 4 » الأقدار فيه الألطاف والحيل ، لتلقّيت بالإجمال ، وقوبلت ببالغ المبرّة والاهتبال . ما أخرجته من سري نظمه وجزل مقاله مدة اعتقاله من ذلك أبيات خاطب بها صاحب المريّة يقول فيها « 5 » :
--> ( 1 ) النهاية : والمحنة . ( 2 ) النهاية : مكايدها . ( 3 ) ط د م س ك ل : ولقد . ( 4 ) النهاية : عاقل . ( 5 ) القلائد : 92 ، والمعجب : 183 ، وخالص : 305 .