ابن بسام
31
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
واحدا فما دونه ، استكانة للحادثة التي هدّت ركنه ، وأفنت حماة رجاله ، فاعتصم بحصنه بطليوس ، ولم يخرج من خيله فارسا ، وجعل يشكو به إلى حلفائه ، فلا يجد ظهيرا ولا نصيرا . فلما قضى المعتضد من تدويخ بلاده وطره ، وكرّ راجعا إلى إشبيلية في شوّال من العام ، وردت علينا بقرطبة يومئذ غريبة ، وذلك أنّ رسول المظفّر في أثر هذه الوقائع عليه ( ورد قرطبة ) « 1 » يلتمس شراء وصائف ملهيات يأنس بهنّ ، نافيا بذلك الشماتة عن نفسه ، ولم يكن له عادة بمثله ، فنقّب « 2 » له رسوله عن ذلك ، وكنّ قد عدمن بقرطبة يومئذ ، فوجد له صبيتين ملهيتين عند بعض التجار لا طائل فيهما ، فاشتراهما له ، وأقام رسوله يلتمس الخروج بهما فلم يستطع ، لقطع خيل المعتضد جميع الطرق ، فأقام مدة بقرطبة إلى أن شيّع بخيل كثيفة ومضى بهما ، وأولو / النّهى يعجبون ويعجّبون « 3 » ممّا شهر به نفسه من البطالة ، أيام الحروب المحرّمة لأطهار النساء على فحول الرجال العاقدة للأزرة ، وعلى ما كان يدّعيه لنفسه من الأدب والمعرفة ، وبحثت على هذه الأعجوبة وما الذي حمله على هذا الأفن فإذا به ناغى كاشحه المعتضد المرتاح بعد الظفر لاجتلاب قينة عبد الرحيم « 4 » الوزير من قرطبة ، إثر وفاته يومئذ ، وقد استدعاها لمّا وصفت له بالحذق في صنعتها ، فوجّهت نحوه ، فتقيّله المظفر في إظهار الفراغ وطلب الملهيات ، وقد علم العالم أنّه لفي شغل عنهنّ . فامتد شأو هذين الأميرين يومئذ في الغيّ وتباريا في القطيعة حتى أفنيا العالمين ، إلى أن سنّى « 5 » اللّه بينهما الصلح ، في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ، بسعي ابن جهور أمير قرطبة ، كعادته بينهما « 6 » ، بعد كتب ورسل في ذلك ، والمظفر يمتطي اللجاجة هنالك . فلما سكنت الحال بينهما فرغ المعتضد إلى حرب الأمراء الأصاغر بالغرب ، كابن يحيى وابن هارون وابن مزين والبكري « 7 » ، وأتيح له من الظفر عليهم ما حاز به أملاكهم
--> ( 1 ) زيادة من البيان المغرب . ( 2 ) ك : فبعث ( اقرأ : فبحث ) . ( 3 ) ويعجبون : س م وحدها . ( 4 ) البيان : قينة ابن الرميمي . ( 5 ) ك : شاء . ( 6 ) ك ط د م س : بينهم . ( 7 ) ابن يحيى صاحب لبلة ، وقد مر من خبره ما يكفي ، وابن هارون هو سعيد بن هارون صاحب أكشونبة ، توفي - سنة 434 وخلفه ابنه ومن يده أخذ المعتضد أكشونبة سنة 449 ؛ وابن مزين هو عيسى بن محمد بن مزين صاحب شلب ، حكم فيها سنة 440 ووالى عباد الحروب ضده وقتله سنة 445 وانتزع مدينة شلب منه ، وأما البكري صاحب شلطيش وأونبة فسيورد ابن بسام خبره مع بني عباد في ما يلي .