ابن بسام
279
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
فإنه « 1 » كان شاعرا لا يجارى ، وساحرا لا يبارى ، إذا مدح استنزل العصم ، وإن هجا أسمع الصمّ ، وإن تغزّل ، ولا سيما في المعذّرين من الغلمان ، أسمع سحرا لا يعرفه البيان ، وكيف لا يرغب في شعره ، ويتنافس فيما ينفث به من سحره ، وهو يضرب في أنواع الإبداع بأعلى السهام ، ويأخذ من التوليد والاختراع بأوفر الأقسام ، وقد أثبتّ منه في هذا الديوان ، ما يشتمل على غرائب الحسن والإحسان ، وأدرجت في أثناء مقطوعات أشعاره « 2 » ، نكتا ولمعا من نوادر أخباره ، وذكرت آخر أمره مع المعتمد ومباشرة قتله [ 71 أ ] له بيده ، وأجريت شرح صفة الحال ، من المبدأ إلى المآل . وكان قد نشأ والشعر بأفقنا أنفق ما عهدت سوقه ، وأعمر ما كانت إلى الجاه والمال طريقه ، فاتخذه مدّة صناعته ، ثم خلع بعد « 3 » طاعته ، رغبة [ بنفسه ] « 4 » عن نحلة « 5 » سؤددها سؤال ، وأجودها كذب ومحال ؛ وكان أبو بكر من نقائذ البوس ، ونوافض الجدّ اليبيس ، أحد من امترى أخلاف الحرمان ، وقاسى شدائد الزمان ، وبات بين الدكّة والدكان ، واستحلس دهليز فلان وأبي فلان ، جرت على رأسه من ذلك أحوال ، دلّت على أنّ الدنيا إدبار وإقبال ، وأنّ عيش المرء فيها تهاويل وأهوال . بلغني عنه أنه لزّته إحدى لياليه النّكرات ، في أيامه المنكرات ، إلى انتجاع بعض أعيان شلب ، أحد من طرفت عنه أعين النّوب ، / وسعد بما كان ابن عمّار شقي به من الأدب ، فاعتمده بأبيات عملها على سبيل قد تنكّرت له وتنكّر لها ، وبنفس لولا نفاستها لقتلها ، واتفق أن قصده بها يومئذ حين جنحت ذكاء ، وصبغت الغيطان لونها السماء ، ولم يبق من النهار إلا تعلّة عليل ، وبلغة ابن سبيل ، أضيق من عذر الجبان في الفرار ، وأقصر ممّا بين اللحية والعذار ؛ فلما أنشده قطعة شعره ، وهتك له الحجاب ساعتئذ عن وجه عذره ، أسرّ إلى غلامه بكلام قصير ، فغاب عنه غير كبير ، ثم خرج عليه وفي يده مخلاة شعير « 6 » ، وقال له : خذ ما حضر ، وأنت أحقّ من عذر . فجاشت نفس ابن عمار جيشة أذهلته عن اسمه ، وكادت تسيل عرقا على جسمه ، وهمّ بصرف نائله النّزر إليه ، ففكّر في
--> ( 1 ) من هنا يبدأ النقل في المسالك 13 : 2 وذلك من الأمثلة التي اتخذها العمري نموذجا لنثر ابن بسام . ( 2 ) أشعاره سقطت من ل . ( 3 ) زيادة من ل والمسالك . ( 4 ) د : بعد ذلك . ( 5 ) المسالك : محلة . ( 6 ) د : من شعير .