ابن بسام

241

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

حوبائك ، وسقوطها دون فنائك ، ما يدعو إلى حسن العزاء ، ويهوّن جلائل الأرزاء ، لا صدع اللّه جمعك ، ولا قرع بنبأة المكروه سمعك ، بعزّته . وله من أخرى في مثله : وردني - أعزّك اللّه ، وأشعرك الصبر لما قضاه - خطابك الخطير ، فاستقبلني أوّله ببشر وسيم ، وبرّ جسيم ، وتلقاني آخره بوجه شتيم ، ورزء أليم ، فيا قرب ما انصرفت عن نهج الاستبشار ، إلى سمت الاعتبار والاستعبار ، وانقلبت من مطالعة صفحة العهد الواضحة ، إلى ملاحظة صورة الوجد الكالحة ، فما وقع سانح البشرى ، حتى أطاره بارح المنعى ، ولا افتر ثغر النّعمى ، حتى اكفهرّ وجه البوسى ، بما ختمت به الكتاب الكريم ، وكان أحقّ بالتقديم ، من ذكر وفاة الحسيب الأديب « 1 » ، أخيك ، ومحلّ صنوي ، كان - رحمه اللّه ، وألحفه رضاه - فيا له رزءا ، حمّلني عبئا ، ومصابا ، جرّعني صابا ، وعند اللّه أحتسبه جملة عفاف ، وبقية أشراف . ومما أوقد لوعتي ، وأكد روعتي ، أن درج وللشباب عليه سربال ، / وللأمل « 2 » في تراخي مدّته مجال ، فاعتباط النفوس أفجع « 3 » ، وبغت المقادير أوجع « 4 » وأشنع ، وهي الآجال : فمعمّر إلى أقصاها ، ومختضر « 5 » دون مداها ، ولا يزال المؤجّل تتحيّف نواحيه ، وتختطف أدانيه ، ويفجع بأحبابه ، ويروّع بأترابه ، حتى يكون هو الغرض المصاب ، والمحلّ المنتاب ، والسواد المخترم ، والخيال المستقدم . فمن تصوّر الدنيا تصوّرك ، وأوسعها تدبّرك ، لم يرعه هاجم كرب وإن كلح وجلح ، ولا هزّه واقع خطب وإن طمح وجمح ، ولعلمي بمضاء جنانك ، على مصادرة زمانك ، واتّساع صدرك ، لمضايقة دهرك ، سلكت في التعزية مسلك التخفيف ، واقتصرت من معاني التسلية على اليسير اللطيف ، ولو شهدت لحملت عنك بعض الأتراح ، وشاركت في زيارة الغدوّ والرّواح ، واللّه يعوضك [ منه ] العزاء الجميل ، ويضفي على ساقته « 6 » - جبرها اللّه - ظلّك الظليل ، ويديم إمتاعك بمن بقي معك من أخ كريم ، وقريب حميم ، بعزّته .

--> ( 1 ) ل : الأريب . ( 2 ) ل : وللآمال . ( 3 ) م س د ط : أهجع . ( 4 ) د ط : أبشع ؛ س ل : أشنع وأوجع ؛ ك : أبشع وأشنع . ( 5 ) ط م د س ل : ومختصر ؛ ك : ومحتضر . ( 6 ) الساقة : مؤخرة الجيش ، والمقصود هنا - فيما يبدو - من خلفهم الفقيد بعد موته من أبناء يحتاجون إلى رعاية ، وانظر ما تقدم ص : 120 ؛ ك : سقاتها .