ابن بسام
23
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
والحوادث « 1 » الشنيعة ، والوقائع المبيرة ، والهمم العليّة ، والسطوة الأبيّة ، فرماه اللّه بسهم من مراميه / المصمية ، أجلّ « 2 » ما كان في اعتلائه ، وأرقى ما كان إلى سمائه ، وأطمع ما كان في الاحتواء على الجزيرة ، محتفزا لها عند تشميره الذيل بفتنة لا كفاء لها ، فتوفّاه اللّه على فراشه من علّة ذبحة قصيرة الأمد « 3 » ، وحيّة الإجهاز ، اتفقت الحكايات أنها كانت شبه البغت . وكانت ولايته بعد موت أبيه القاضي يوم الاثنين غرة جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين ، وقضى نحبه يوم السبت الثاني من جمادى الآخرة سنة [ 4 ب ] إحدى وستين ، ودفن عشيّ يوم الأحد بعده ، تغمّد اللّه خطاياه ، فلقد حمل عليه على مرّ الأيام ، في باب فرط القسوة وتجاوز الحدود ، والإبلاغ في المثلة ، والأخذ بالظّنّة ، والإخفار للذمّة ، حكايات شنيعة لم يبد في أكثرها للعالم بصدقها دليل يقوم عليها ، فالقول ينساغ في ذكرها ؛ ومهما برئ من مغبّتها « 4 » فلم يبرأ من فظاعة السطوة وشدّة القسوة « 5 » ، وسوء الاتهام على الطاعة ، سجايا من جبلّة « 6 » لم يحاش فيها « 7 » ذوي رحم واشجة . وقد كان تقيّل سيرة أحمد بن أبي أحمد بن المتوكّل « 8 » أحد أشدّاء خلفاء « 9 » العبّاسيين الذي ضمّ نشر المملكة بالمشرق ، وسطا بالمنتزين عليها ، وبفقده انهدمت الدولة ، فحمل عبّاد سمته المعتضدية ، وطالع بفضل / نظره أخباره السياسيّة التي أضحت عند أهل النظر أمثلة هادية إلى الاحتواء على أمد الرئاسة ، في صلابة العصا وشناعة السّطا « 10 » ، فجاء منها بمهولات يذعر من سمع بها فضلا عن من عاينها ، نسبوا إلى هذا الأمير الشهم عباد امتثالها من غير دلالة ، وقد انطوى علم اللّه فيها وتقرر إرصاده للمكافأة بها ؛ ولم يقصّر عباد في دولته التي مهّدها فوق أطراف الأسنّة وصيّر أكثر شغله فيها شبّ الحروب ، وكياد الملوك ، وإهراج البلاد ، وإحراز التلاد ، من توفّر حظّه الأوفى من
--> ( 1 ) الحلة : والجرائر . ( 2 ) س ط د والبيان : أجد ؛ الحلة : أمد . ( 3 ) م : المتل ( دون إعجام للتاء ) ؛ س : الأمل . ( 4 ) ط د س ودوزي : مغيبها . ( 5 ) ط د م س : فلم يبرأ من شدة القسوة . ( 6 ) الحلة : جبلته . ( 7 ) دوزي والحلة : فيهن . ( 8 ) هو الملقب بالمعتضد ( 279 - 289 ) . ( 9 ) دوزي والحلة : خلائف . ( 10 ) ط د م س : الشظا .