ابن بسام

217

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

أحدا في معنى ، فخان بما ائتمن ، وفرط في ما احتجن ، وخاف عاقبة ذلك فنغل واضطغن ، وأراد أن يفوز ببطنته / وما جمع ، وينجو مما حذر عليه وتوقع ، فأزمع على الانحراف والانزواء ، واستجمع للخلاف والانتزاء ، وداخل فلانا يعرض عليه ما ذهب إليه ، ليؤيده على قبوله بما في يديه ، فنأى عنه بجانب النزيه الكريم ، وأعرض إعراض الحرّ الصميم ، فانصرف إلى المذكور وهو لمناها مستمطر متوكّف ، وإلى مثلها مستوقف مستشرف ، فما دعاه حتى لبّاه ، ولا أومى إليه حتى تهافت عليه ، لا يتهيّب حالا ، ولا يتوقّع مآلا ، وبلغني الخبر وكفى به مزعجا ، ولا كمثله مبرما محرجا ، فصبرت حتى أعذرت ، وتأنيت حتى أبليت ، ثم اعتزمت على الانتصار ، وتقدّمت لطلب الثأر ، مستخيرا وعد اللّه لمن بغي عليه ، مقتضيا حكمه العدل فيمن تسبّب إليه ، فتقدمت في معسكر ألّفته يد الإعجال ، [ 56 أ ] وحالت البديهة بينه وبين الاحتفال ، فأنخت به على بلده أياما ، قطعت فيها دونه كلّ الرفاق ، ولم أبق حوله سقفا « 1 » على جدار ولا قائمة على ساق ، ثم مررت إلى جهة فلانة أجوس خلالها ، وأتقرّى بالنهب والإحراق أعمالها ، وأتسنّم معاقلها ، وأجعل أعاليها أسافلها ، إلى أن وقفت « 2 » بجنابها « 3 » منازلا ، وزحفت إلى بابها مقاتلا ، وصاحبها يرى الخويّ ملء عينيه ، ويقلّب على خسارة صفقته كفّيه ، ولا يعاين إلّا نارا تضطرم عليها ، وتصطلم حواليها ، فلو أصغينا لسمعنا قعقعة أضراسه ، واستشعرنا لوجدنا حرّ أنفاسه ؛ وكلّ كميّ عنده - وكانوا عددا لفيفا ، وجمعا كثيفا - قد نسخ جبانا ، ومسخ هدانا ، لا يكاد يقبل حتى يدبر ، ولا يبرز حتى ينجحر : / تلقى الحسام على جراءة حدّه * مثل الجبان بكفّ كلّ جبان « 4 » ثم انكفأت ، على غير الطريق التي كنت أنشأت ، عائدا بمثل ما بدأت ، واطئا ما لم أكن قبل وطئت ، فتخيّل سبيلي ، في وجهتي وقفولي ، وتمثّل أثري ، في وردي وصدري . وكنت قد وجهت أسطولا بلغ في ساحل بلده أقصى المبالغ من الإفساد والتدمير ، والتغيير والتأثير ، ثم انصرف بحمد اللّه كما انصرفت على غاية الوفور والظهور . وله عنه من أخرى : وإنّ فلانا جارنا - لا أجاره اللّه من ريب الزمان ، ولا صرف عنه

--> ( 1 ) م ط ل : اسق . . . مقفا . ( 2 ) أجوس . . . وقفت : سقط من م س ل . ( 3 ) م ط ل : بجانبها . ( 4 ) البيت للمتنبي ، ديوانه : 416 .