ابن بسام
211
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
ويذكر حسن بلائه ، وينبّه على مكانه من الدولة وغنائه ، فلما أكثر قال له ابن ذي النون : دع عنك ، من اجترأ على الملوك لم يصلح للملوك . ثم لم يلبث ابن ذي النون إلا أشهرا لم تتعب كفّ العاقد ، ولا أطالت غمّ الحاسد ، حتى أتى من مأمنه ، أغبط ما كان بسيّئه وحسنه « 1 » ، وسقاه السمّ الوحيّ - زعموا - بعض ثقاته ، فاستقل بجسده تابوته ، وطار به إلى طليطلة جنّه وعفاريته ، وخلا وجه قرطبة بعد ذلك للمعتمد وعاد إليه ملكها ، وانتظم في يديه سلكها ، وأخذ بثأر ابنه عبّاد بقتله لابن عكاشة فلم يكن كما قال دريد بن الصّمة « 2 » : قتلنا بعبد اللّه خير لداته * ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب وممّا كتب عن المعتمد بعود قرطبة إليه ، وقتل ابن عكاشة على يديه رقعة منها : وأنفذته عندما عادت الحضرة إلى يدي ، وانتظمت ببلدي ، على صورة من التيسير ضاعفت [ 54 ب ] حسن مواقع « 3 » العارفة بها ، وبشرت بلواحق النصر المترادف بعقبها ، ذلك أنّ أهلها الصادقة في محبّتنا أهواؤهم ، المتّفقة على طاعتنا آراؤهم ، لم يزالوا على مثل الجمر تقلّبا ممّا جرى قبل على غير اختيارهم ، وتوجّعا لما كان انقضى علينا في جوارهم ، نابين عمّن ولي أمرهم بعدنا ، مستقصرين لشأنه عندنا ، إلا النفر اليسير ، والتافه الحقير ، من سفهائهم الذين سبّبوا تلك الوهلة ، وظاهروا على تلك الغفلة ، / ولم يكن لهم أوّلا علم بما سدّوه وألحموه ، ولا رضوا آخرا بما جنوه وارتكبوه ، فتحركت من وقتي ، ولم أكد أطلّ على أفقهم إلّا والإشارة علينا ، بأثوابهم إلينا : أن أقدموا وصمّموا ، فاقتحمت من النهر مخاضة توازي الربض الشرقيّ منها ، وثار أهلها معي ، داعين بشعاري ، معلنين بانتصاري ، وكلمة ثاري ، يكسرون بين يديّ كلّ غلق يعترضني ، ويفتحون « 4 » كلّ مرتج ينتصب دوني ، وأحسّ ابن عكاشة ومن معه من الشّيعة المفلولة بمكاني ففرّوا بأرواحهم ، وألقوا ما كان معهم من سلاحهم . وقد كنت أحطت بنواحي الحضرة خيلا ترصدهم ، وتقطع من النجاة سببهم ، فوقعوا فيها وأتى على آخرهم ، وسيق
--> ( 1 ) م ط د س ل : وحسنته . ( 2 ) البيت من قصيدة في الأصمعيات ( رقم : 29 ) : 117 - 119 ، وانظر حماسة ابن الشجري : 13 ، والسمط : 690 ، والخزانة 3 : 166 . ( 3 ) ل : موقع . ( 4 ) م : ويقتحمون .