ابن بسام

188

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

كور إشبيلية ، نشأ في دولة المعتضد ، شهر « 1 » بالعفاف فلزمه ، ويسر للعلم فتعلّمه « 2 » وعلّمه ، وكانت له نفس تأبى إلا مزاحمة الأعلام ، والخروج على الأيام ، وهو دائبا يغضّ عنانها فتجمح ، ويطأطئ من غلوائها فتتطاول وتطمح ، ممتنعا من خدمة السلطان ، قاعدا بنفسه عن مرتبة نظرائه من الأعيان ، بين عفّة تزهّده ، وهيبة من المعتضد تقعده ، حتى فطن له ذو الوزارتين ابن زيدون ، فلم يزل يضرح قذى العطلة عن مائه ، ويعلي رماد تلك الهيبة عن نار ذكائه ، إلى أن نبه عليه المعتضد [ 48 ب ] آخر دولته ، فتصرف فيها قليلا على تقيّة من تلك البقية ، / وتقشّف « 3 » من ذلك التعفّف ، إلى أن أفضى الأمر إلى المعتمد ، وأحسبه قد كان في أيام أبيه ، من بعض من يداخله ويصافيه ، فحباه من علاه بنصيب ، وسقاه من نداه ببحر لا بذنوب ، وأنهضه إلى مثنّى الوزارة ، وأكثر ما عوّل عليه في السفارة ، فسفر غير ما مرة بينه وبين حلفائه من ملوك الطوائف بأفقنا ، حتى انصرفت وجوه آمالهم إلى أمير المسلمين وناصر الدين ، أبي يعقوب يوسف بن تاشفين ، رحمه اللّه ، فسفر ذو الوزارتين بينهما مرارا فكثر صوابه ، واشتهر في ذات اللّه مجيئه وذهابه ، واضطر المعتمد إليه قريبا من آخر دولته ، فعظمت حاله ، واتّسع مجاله ، واستولى « 4 » على الدولة استيلاء قصّر عنه أشكاله ، إلى أن كان من خلعه ما كان ، فكان ذو الوزارتين أحد من حرب ، وفي جملة من نكب . وأقام على تلك الحال ، نحوا من ثلاثة أحوال ، حتى تذكّره أمير المسلمين بما كان عهد من حسن خليقته ، وسداد طريقته ؛ وقد حدّثت أنّ سبب ذلك الذكر ، كتاب كان ورد من صاحب مصر ، لم يكن بدّ من الجواب عليه والإنصاف « 5 » منه ، وتفقّد يومئذ أعلام المشاهير ، فكان ذو الوزارتين أقرب مذكور ، فاستدعاه لحينه ، وولّاه كتبة دواوينه ، ورفع شأنه ، حتى أنساه زمانه ، وقد أثبتّ من كلامه مما أنشأه في الدولتين ، ما يملأ ذكره الخافقين « 6 » .

--> ( 1 ) من هنا نقل ابن الأبار نص ابن بسام في ترجمة ابن القصيرة ( أعتاب الكتاب : 222 ) حتى قوله : تقعده ؛ ثم لخص بعد ذلك حتى آخر الترجمة . ( 2 ) الأعتاب : فعلمه . ( 3 ) المسالك : وتعسف . ( 4 ) ل : واشتهر ( ؟ ) . ( 5 ) المسالك : والانتصاف . ( 6 ) ذكر مؤلف المعجب : 228 أن ابن القصيرة كان على طريقة قدماء الكتاب من إيثار جزل الألفاظ وصحيح المعاني من غير التفات إلى الأسجاع التي أحدثها متأخرو الكتاب ، اللهم إلا ما جاء في رسائله من ذلك عفوا من غير استدعاء .