ابن بسام

184

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

كبير مئونة ، وضمّه إلى سائر عمله العريض ، وازداد بذلك المعتضد سلطانا وقوّة ، وذلك أنه لمّا خلا وجهه من المظفّر بن الأفطس فرغ لابن يحيى بلبلة « 1 » وصمّم في قصده بنفسه ، فنزل ابن يحيى له عن لبلة وخرج عن البلد ، وانزعج إلى قرطبة : وردها « 2 » مسلوب الإمارة ، لائذا بكنف ابن جهور سادّ الخلّة / ومأوى الطريد . وكان من الغريب النادر أن شاركه المعتضد بقطعة من خيله أوصلته إلى مأمنه بقرطبة . ثم سقط إلينا النبأ بعد بامتداد يده إلى البكري بولبة وشلطيش ؛ وكان هذا الفتى أبو زيد البكري وارث ذلك العمل لأبيه ، وكان أبوه من بيت الشّرف والحسب والجاه والنعمة ، والاتصال القديم بسلطان الجماعة ، وكان له ولسلفه قبل إسماعيل بن عباد جدّ المعتضد وسائل وأذمّة خلّفاها في الأعقاب اغترّ بها عبد العزيز البكري ، فبادر البعثة إلى المعتضد ساعة دخل لبلة يهنّئه بما تهيأ له منها ، وذكّره بالذمام الموصول بينهما ، واعترف بطاعته ، وعرض عليه التخلّي عن ولبة ، وإقراره بشلطيش إن شاء ، فوقع له ذلك من المعتضد موضع إرادة ، وردّ الأمر إليه فيما يعزم عليه ، وأظهر الرغبة في لقائه ، وخرج نحوه يبغي ذلك ، فلم يطمئنّ عبد العزيز إلى لقائه ، وتحمّل بسفنه بجميع ماله إلى جزيرة شلطيش ، وتخلّى للمعتضد عن ولبة « 3 » ، فحازها حوزه للبلة ، وبسط الأمان لأهلها ، واستعمل عليها ثقة من رجاله ، ورسم له القطع بالبكريّ ، ومنع الناس طرّا من الدخول إليه ، فتركه محصورا وسط الماء إلى أن ألقى بيده من قرب ولم يغرب عنه الحزم ، فسأل المعتضد أن ينطلق انطلاق صاحبه ، فأمّنه ، ولحق بقرطبة ، وبوشر منه رجلا سريّا عاقلا عفيفا أديبا يفوت صاحبه ابن يحيى خلالا وخصالا « 4 » إلى زيادة عليه ببيت السّرو والشرف ، وبابن له من الفتيان بزّ الأقران جمالا وبهاء وسروا وأدبا ومعرفة ، يكنى أبا عبيد « 5 » . وتحدّث الناس من حزم عبد العزيز يومئذ أنه لما احتلّ بشلطيش علم أنه لا / يقارع عبّادا ، فأخذ بالحزم أولا ، وتخلّى له عنها بشروط وفّى له بها ، فباع منه سفنه

--> ( 1 ) لبلة ( Niebla ) تقع شمال إقليم اكشونية وتبعد عن إشبيلية إلى الغرب مسافة خمسين كيلومترا ( الروض : 203 ) . ( 2 ) م س ل : وورودها ؛ وسقطت اللفظة من الحلة . ( 3 ) ل : أونبة . ( 4 ) ل ودوزي : جلالا وخلالا . ( 5 ) ل : أبا عبيدة .