ابن بسام

17

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

الأحرار من كلّ صنف ، ويشتري العبيد ، والجدّ يساعده والأمور تنقاد له ، إلى أن ساوى ملوك الطوائف وزاد على أكثرهم بكثافة سلطانه ، وكثرة غلمانه ، فنفع اللّه به كافة رعيّته ونجّاهم من ملك البرابرة ؛ وتدرّج في تدبير ذلك أوّلا أوّلا ، ومارسه شأنا شأنا ، إلى أن استولى على أمده ، ومهّد قواعد سلطانه ، وشدّ أواخيّه . وأخباره مأثورة مشهورة . قال ابن حيان « 1 » : ومن أشهر أخباره أنه نظر في شأن من بقي من فتيان بني مروان يومئذ فسقط إليه خبر الدعيّ المشبّه بهشام بن الحكم ، وكان قد تحدّث أنّه أفلت من يدي سليمان قاهرة ، وأنه غاب ببلاد المشرق / مدّته الطويلة ثم عاد إلى الأندلس ، فقدح ذلك في قلوب الناس لمقدّمات سلفت في ذكر هذا الرجل والشكّ في موته ، إذ كان سليمان قاتله قد ترك إبداءه للناس ، حسبما فعلته خدمة « 2 » الملوك قبل فيمن خلعوه ، إمّا استخفافا من سليمان يومئذ بمن ملك نواصيهم بالقهر ، أو ما شاء اللّه من غلط أصاب المقدار قصده « 3 » ، لقضاء سبق في علم أمّ الكتاب ، فلم تزل طائفة من شيعته تنفي موته ، وتروي في ذلك روايات تبعد عن الحقيقة ، وتصدر عن نسوان وخصيان من أهل القصر بقرطبة ، إلى أن علق ذلك بمن فوقهم من شيع المروانية ، فشدّوا أواخيّ خلاصه ، وقطعوا على حياته ، ووصفوا أنّه اضطرب بقرطبة في دولة البرابر ممتهنا نفسه في طلب المعيشة ، ثم زعموا بعد حين أنّه عبر إلى أرض المشرق ، وانساح « 4 » في ذلك الأفق ، وقضى « 5 » كلّ المناسك هنالك ، ووطئ كلّ بقعة ، ثم كرّ راجعا إلى دياره لأمد محدود ولكرّة الدولة المروانية ، لتحدث على يديه « 6 » الأنباء البديعة ، فدانوا - كما تسمع - بالرجعة دينونة الشيعة ، وتاهوا في ذلك تيه تضليل « 7 » ، سخر منهم أهل التحصيل ، إلى أن ظهر على زعمهم بالمريّة سنة ستّ وعشرين في أيام زهير الصقلبي . ولم تزل قصّة هذا المشبّه بهشام تدبّ في قلوب الناس دبيب النار في الفحم ، فدبر ابن عبّاد خبره ، واهتبل الغرّة في ذلك ، وأنّه أقلّ ما يجيء له / منه دفع مكروه ابن

--> ( 1 ) البيان المغرب 3 : 197 . ( 2 ) البيان : حزمة . ( 3 ) ك : قدره . ( 4 ) قد تقرأ في ط : وارتاح ؛ البيان : وساح . ( 5 ) ط د س ك والبيان : وقصر . ( 6 ) ط : على يده . ( 7 ) ط : بطل ؛ دوزي : تقليد ؛ البيان : بتضليل ؛ س : تغليل .