ابن بسام
126
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
الأديب أبو الحسن علي بن حصن الإشبيلي « 1 » من مشاهير شعراء المعتضد أيضا ، أحد من راش سهام الألفاظ بالسحر / الحلال ، وشقّ كمائم المعاني عن أبين « 2 » من محاسن ربّات الحجال ، بين طبع أرقّ من الهواء ، وأعذب من الماء ، وعلم أغزر من القطر ، وأوسع من الدهر ، إذا ذكر شعرا ظنّ أنه صانعه ، أو ديوانا توهّم أنه مؤلفه وجامعه ، وإني لأعجب من قوم من أهل أفقنا لم يعرفوه ولم ينصفوه ، فأضربوا عن ذكره ، وزهدوا في أعلاق شعره ، ولعلهم حاسبوه بخزعبلات كان يعبث بها بين مجونه وسكره ، وهيهات فضله أشهر ، وإحسانه أكثر ، ولو تأملوا قوله من قصيدة في إسماعيل بن عباد [ 32 ب ] : بكرت سحرة قبيل الذهاب * تنفض المسك عن جناح الغراب « 3 » وقوله على أنها من عبثاته « 4 » : عليّ أن أتذلّل * له وأن يتدلّل خد كأنّ الثريا * عليه قرط مسلسل لعلموا أنه رأس الصناعة ، وإمام الجماعة . ولما هيّت المعتضد بأبي الوليد ابن زيدون فانحطّ في حبله ، وتولى إلى ظلّه - حسبما قدمت ذكره في أخباره من القسم الأول - أفرج له عن صدر النادي ، وخلّى بينه وبين بحبوحة الوادي ، وهو يظنّ أن سيجري بالخلاء « 5 » ، ويستولي على حمل اللواء ، فانتحاه من ابن حصن هذا شيطان مريد ، وطلع عليه منه رقيب عتيد ، وطفق ينازعه الراية ، ويسابقه إلى / الغاية ، وإن كان أبو الوليد ربما غمره بمكانه ، وتمكّنه من سلطانه . وكان المعتضد ، لشذوذ مناحيه ، وفضل عربدة كانت فيه ، ربما أغرى بينهما إذا اجتمعا في مجلسه ، فيتمكن لابن حصن التقدّم عليه ، بسعة ذرعه ، ورضاه بالعفو من طبعه ؛ وكان
--> ( 1 ) له ترجمة في الجذوة : 296 ، 371 ( البغية رقم : 1222 ، 1523 ) ، والمغرب 1 : 245 ، وذكره في رايات المبرزين 11 ( غ ) ؛ ونقل ابن سعيد عن الحجاري قوله إن ابن حصن نشأ مع المعتضد فاستوزره إلا أنه كان فيه طيش أداه إلى حتفه ؛ وانظر أيضا النفح 3 : 266 ، 429 ، وبدائع البداية : 367 ، والمسالك 11 : 217 . ( 2 ) المسالك : أفتن . ( 3 ) المغرب : تنفض الماء ؛ د : غراب ، والبيت في المسالك . ( 4 ) انظر : النفح 3 : 429 . ( 5 ) فيه إشارة إلى المثل : كل مجر في خلاء يسر .