ابن بسام

636

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

قال ابن بسّام [ 1 ] : والفقيه قاضي الجماعة أبو عبد اللّه ابن حمدين [ 2 ] هذا في وقتنا غرّة الزمان الزاهرة ، وآية الإحسان الباهرة ، أحد من تقدّم على أهل الفضل ، تقدّم الاسم على الفعل ، واستولى على النّبل ، استيلاء الشّمس على الظّل ، وله صدر يسع الدّهر كلّه ، ولسان يخلق السّحر / لو استحلّه ، وهو وإن كان اليوم ، بالحضرة العظمى قرطبة ، يعسوب الإسلام ، ومدار الأنام [ 3 ] ، وجماع النّقض والإبرام ، فلهذا الشّأن الذي تصدّيت لإقامة أوده بهذا الدّيوان ، من عنايته أوفر نصيب ، ولأهله من استقلاله وكفايته حمى غير مقروب [ 4 ] ، وقد رفعت له على علمه نار ، فضربت [ 5 ] عليه في حرمه أرواق وأستار ، وسارت على ألسنة الرّكبان من كلمه رسائل وأشعار ، أجزل من ركني [ 6 ] أبان ، وأحسن من الحديث عن جنان ، وأوضح من عذر قريش في حبّ عثمان [ 7 ] ، ولم أظفر منها [ 8 ] عند تحرير هذه النسخة من هذا الكتاب ، إلّا بهذا الجواب ، وفيه متعة [ 9 ] جدّ كافية ، وعلامة من الفضل غير خافية ، ويعلمك بجنى الشجرة الواحدة من ثمرتها ، ويدلّك على خزامى الأرض النّفحة من رائحتها . جملة من شعر ابن شماخ من ذلك ما أنشدنيه لنفسه من جملة أبيات اندرجت له في رسالة موشّحة عارض

--> [ 1 ] نقل بعضه العمري في المسالك 13 : 59 . [ 2 ] بنو حمدين تغلبيون في نسبتهم ومنهم محمد بن علي بن عبد العزيز بن حمدين قاضي الجماعة بقرطبة ويكنى أبا عبد اللّه ( 439 - 508 ) تولى القضاء بقرطبة سنة 490 بسياسة محمودة وسيرة نبيهة وكان من أهل الجزالة والصرامة ؛ ( الصلة : 539 ) وله ابن اسمه أحمد وكنيته أبو القاسم تولى القضاء بقرطبة مرتين وكان نافذا في أحكامه وتوفي سنة 521 وصلّى عليه ابنه أبو عبد اللّه ( الصلة : 81 ، والمغرب 1 : 162 ) ولمحمد ابن آخر اسمه حمدين وكنيته أبو جعفر تولى القضاء ببلده سنة 529 وصرف عنه سنة 532 وعاش حتى انهارت دولة المرابطين فتسلم زمام قرطبة ودعي له على منابرها وسمّى نفسه « أمير المسلمين المنصور باللّه ، وتوفي سنة 548 » ؛ فكنية « أبي عبد اللّه » تنصرف إلى محمد بن علي وحفيده والمقصود هنا هو الأول . [ 3 ] ب م : الأيام . [ 4 ] ب م : معزوب . [ 5 ] المسالك : وضربت . [ 6 ] في الأصول : ذكر والتصويب عن المسالك . [ 7 ] المسالك : غسان ، وما في المتن أصوب . [ 8 ] ب م : منه ؛ المسالك : ولم أظفر له عند الفراغ من هذا الكتاب . [ 9 ] المسالك : دلالة في الأدب .