ابن بسام

338

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

أعلام قصر الزّهراء ، واقتلع نحاس الأبواب ورصاص القنيّ ، وغير ذلك من الآلات . فطوي بخرابها بساط الدنيا ، وتغيّر حسنها ، إذ كانت جنّة الأرض ، فعدا عليها قبل تمام المائة من كان أضعف قوة من فأرة المسك ، وأوهن بنية من بعوضة النّمرود ، واللّه يسلّط جنوده على من يشاء ، له العزّة والجبروت . فلما كانت سنة ستّ عشرة وتحرّك يحيى بن حمود إلى قرطبة ، وضعف أمر المستكفي ، اتفق الملأ على خلعه ، فدخلوا عليه وقالوا له [ 1 ] : قد علم اللّه اجتهادنا في تثبيتك ، فاعتاص ذلك علينا ، واضطررنا إلى مقارعة عدونا ، وها نحن خارجون إليه ، ولا ندري ما يحدث عليك بعدنا ، فإن تك لك الكرّة فلا تيأس [ 2 ] ، فمع اليوم غد . فأجمل الرّدّ ، وانقاد للدنية ، / واستشعر الذلّ ، واهتبل الغرّة ، وعزم على الهروب ، فخرج على وجهه وقد لبس ثياب الغانيات منتقبا بين امرأتين لم يميز منهما لمرانته على التخنيث . وخرج عن قرطبة فمات بأقليش ، فكانت دولته سبعة عشر شهرا صعابا نكدات ، سودا مشوّهات مشئومات ؛ انتهى ما لخصته في حديثه من كلام ابن حيان . فصل في ذكر الأديب أبي عبد اللّه محمد بن سليمان بن الحناط الكفيف [ 3 ] وسياقة جملة من نثره ونظمه [ 4 ] [ قال ابن بسام ] : وأبو عبد اللّه بن الحناط هذا زعيم من زعماء العصر - كان - ورئيس من رؤساء النظم والنثر في ذلك الأوان ، وجمرة فهم لفحت وجوه الأيام ، وغمرة [ 5 ] علم سالت بأعلام الأنام ، فكم له من وقذة لا يبرأ أميمها [ 6 ] ، ونكزة لا يسلم سليمها . وكانت بينه وبين أبي عامر بن شهيد بعد تمسكه بأسبابه ، وانحياشه - كان - إلى جنابه ، مناقضات في عدّة رسائل وقصائد أشرقت أبا عامر بالماء ، وأخذت عليه بفروج

--> [ 1 ] قارن بالبيان المغرب 3 : 142 . [ 2 ] ب س : فلا تسر . [ 3 ] ط : المكفوف . [ 4 ] ترجمة ابن الحناط في الجذوة : 53 ( والبغية رقم : 124 ) ، والصلة : 640 ، والتكملة : 387 ، والذيل والتكملة 6 : 221 ، والمغرب 1 : 121 ، والخريدة 2 : 297 ، وطبقات الشافعية 2 : 161 ، والوافي 3 : 124 ، والمحمدون : 336 ، 359 ( وفي الموضع الثاني نقل عن الذخيرة ) وصفحات متفرقة من نفح الطيب . [ 5 ] ط : وغرة . [ 6 ] الوقذة : الضربة ؛ الأميم : المأموم أو المشجوج .