ابن بسام

318

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وإنك لم يفخر عليك كفاخر * ضعيف ولم يغلبك مثل مغلّب فلم أستطع صبرا ، وعلمت أني قد أبليت عذرا ، ولم يبق إلّا أن يعذرني لبيد وكاد [ 1 ] ورأيت أنّ العاجز من لا يستبد ، فالمرء يعجز لا المحالة ، ولم أستجز أن أكون ثالث الأذلّين : العير والوتد . وذكرت أن الفرار من الظّلم والهرب ممّا لا يطاق من سنن المرسلين ، قال اللّه عزّ وجلّ على لسان موسى عليه السلام : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ( الشعراء : 21 ) . وقال الشاعر : لا عار لا عار في الفرار فقد * فرّ نبي الهدى إلى الغار ونظرت في مفارقة الوطن ، والبين عن الأحبة ، فتبين لي أن إيحاش نفسي ، بإيناس أهلي ، وقطعها في صلة وطني ، غبن في الرأي ، وخور في العزم ، ووجدت الحرّ ينام على الثّكل ، ولا ينام على الذّل ، وأذنت إلى قولهم : ليس بينك وبين البلاد نسب فخيرها ما حملك : وإذا نبا بك منزل فتحوّل [ 2 ] وقال بعض المحدثين : أرى الناس أحدوثة * فكوني حديثا حسن كأن لم يزل ما أتى * وما قد مضى لم يكن إذا وطن رابني * فكل مكان وطن ولم أستغرب أن أسام مثل هذا الخسف في مسقط رأسي ، ومعقّ تمائمي ، وأوّل أرض مسّ ترابها جلدي ، فقديما ضاع المرء الفاضل في وطنه ، وكسدّ العلق الغبيط في معدنه ؛ قال بعضهم : أضيع في معشري وكم بلد * يعدّ عود الكباء من حطبه فاستخرت اللّه عزّ وجلّ ، واضح العذر ، ثابت قدم الحجة ، عند من غضّ عين الهوى ، وخزن لسان التعسف . واللّه يصيب غرض الصّواب برأيي ، ويقرّب غاية النجاح على سعيي ، حسبما في علمه أني مظلوم مبغيّ عليه ، منسوب ما لم آته إليّ ،

--> [ 1 ] إشارة إلى قول لبيد : « ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر » ، أي أنه أدى كل ما في طوقه ، ولم يبق إلا أن ينجو فارا من السجن . [ 2 ] عجز بيت ؛ وصدره : « احذر محل السوء لا تحلل به » ، ينسب إلى عنترة ، قال أبو الفرج الأغاني ( 8 : 234 ) وهذا البيت لعنترة صحيح لا يشك فيه .