ابن بسام

316

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

سلوليّة [ 1 ] . خطّتا خسف لم أر النجاء منهما إلا أن ركبت الحولي الأشهب ، ورأيت خراسان مكان السوق أو هي أقرب [ 2 ] . وكان المتولي سجني بعد شهر من إنفاذه ، له مجلس حضره فقهاء الحضرة ، ومن أعلم بسيماهم ، وجرى في غشيان الحكّام مجراهم ، فذكر له أنّه اتهمني بالمغيب على عهد المتوفّى مولاي - كان - نقع اللّه صداه وبلّ ثراه - وثبت عنده مع ذلك أني ممن تعلقه التهم ، ولا ترتفع عنه الظّنن ، فكلهم أفتى بالإعذار إليّ ، فيما شهد به من ذلك عليّ ، ثم سجني / إن لم آت بمدفع ، أو أصدع من الحجة بمقنع ؛ فاحتاط واجتهد ، وتحرى واقتصد ، وصالحني من هذه الفتيا على النّصف ، بتأخير الإعذار ، وتقديم السجن ، والصلح جائز بين المسلمين ؛ ثم أظهرت إليه عقدا كان المتوفى - قدّس اللّه روحه ونوّر ضريحه - قد أشهد فيه أن لا مال له ، وأنّ جميع ما تحيط به الدار التي توفي بعيد هذا الإشهاد فيها إنما هو للغانية [ 3 ] التي في عصمته حاشا دقائق بيّنها ، ومحقرات عيّنها . ومعلوم أنّ من أشهد بهذا على نفسه ، وتقيّد إلى مثله من لفظه ، فمحال أن يخلّف عهدا ، أو يهلك عن وصية . وسألته الشورى فيما أثبتّه من هذا العقد ، لم يجبني إلى ذلك . ولو لم تكن الشورى من أدب اللّه إذ يقول : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ( آل عمران : 159 ) لوجب أن يعلم أنها لقاح العقل ، ورائد الصّواب ، وأن للمشاور إحدى الحسنيين : صوابا يفوز بمحمدته ، أو خطأ يشارك في مذمته ، قال الشاعر : ولا تجعل الشّورى عليك غضاضة * فإنّ الخوافي عدّة للقوادم [ 4 ] قد قرعت له العصا ، ونبّه على الذي دعوته إليه ، لا يسوغ لي دفعه عنه ، ولا يجوز منعي منه ، فحينئذ علّلني بمواعيد : كانت مواعيد عرقوب لها مثلا [ 5 ]

--> [ 1 ] إشارة إلى قول عامر بن الطفيل ؛ « أغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية » . [ 2 ] نثر قول عبد اللّه بن الزبير الأسدي : تخير فإما أن تزور ابن ضابئ * عميرا وإما أن تزور المهلبا هما خطتا كره نجاؤك منهما * ركوبك حوليا من الثلج أشهبا تاريخ الطبري 2 : 872 ، والشعر والشعراء : 269 ، والأغاني 13 : 432 ، وطبقات ابن سلام : 176 ( الطبعة الثانية ) . [ 3 ] س : للغلامة . [ 4 ] لبشار بن برد ، ديوانه ( جمع العلوي ) : 206 ، وانظر السمط : 932 . [ 5 ] صدر بيت لكعب بن زهير ؛ وعجزه : « وما مواعيدها إلا الأباطيل » .