ابن بسام

310

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

فعش معصما بيفاع السعود * ودم ناعما في ظلال النّعم ولا يزل [ 1 ] الدهر أيامه * لكم حشم والليالي خدم هذا - أعزّ اللّه الحاجب - ما اقتضته القريحة مع اقتضائها ، وأجابتنا به البديهة عند استدعائها ، والذهن عليل ، والطبع كليل ، والرّويّة فاسدة ، وسوق الأدب إلا عنده كاسدة . ولو أنّي أوتيت في النثر غزارة عمرو ، وبراعة ابن سهل ، وأمددت في النّظم بطبع البحتري ، وصناعة الطائي ، لما رددت إلى الحاجب إلّا ما أخذت منه ، ولا أوردت عليه غير ما صدر عنه ، ولما أنفذت ما أنفذت إلّا بين أمل يبسط ، وخجل يقبض ، فرأيه موفقا في أن يمنح ما بعث الأمل إسعافا ، وما أوجب الخجل إغضاء ، ليأتي الإحسان من جهاته ، ويسلك إلى الفضل طرقاته . ومراجعته لي عن كتابي بعهد كريم ، يكون كحلا لعين الرضى بوجنة القبول ، أقف به من توالي النّعم عليه ، وانتظام الأحوال بالصّلاح لديه ، على ما تبتهج له نفسي ، وينتظم معه عقد أنسي ، يد عندي جناها شهد ، وشذاها عنبر وورد ، أرفلها الشكر الجزيل ، وأتبعها الثناء الجميل ، إن شاء اللّه . وليبلّغ منّي سلاما يهدي إليه نفسه ، وتحيّة آخرها عندي وأولها عنده . وكتب من قرطبة إلى ابن مسلمة [ 2 ] بإشبيلية قبل تحوله إليها : يا سيّدي ، وأرفع عددي ، وأوّل الذخائر في عددي ، وأخطر علق ملأت من اقتنائه يدي ، ومن أبقاه اللّه في عيشة باردة الظلال ، ونعمة سابغة الأذيال ، قد تقاصر الثناء عليك ، وتوالى الحديث الحسن عنك ، حتى حللت محلّ الأمانة ، وكنت موضع تقليد الوطر ، وإبثاث الطويّة . واللّه يمتّعك [ 3 ] بما حازه لك من الخير ، ووفّره عليك من طيّب الذّكر . في علمك - أعزّك اللّه - ما تقتضيه العطلة من إظلام الخاطر ، وصدإ النّفس ، ويجنيه طول المقام من إخلاق الدّيباجة ، وإرخاص القدر . وقد آن أن أجتني ثمرة من آداب أطلت الاعتناء بها ، وأخلاق أدمت رياضة الأنفس عليها . ولمّا مخضت الملوك ، وجدت

--> [ 1 ] س : تزل . [ 2 ] ستأتي ترجمته في القسم الثاني من الذخيرة : 105 وهو : أبو عامر محمد بن عبد اللّه بن محمد بن مسلمة الوزير الأديب ، مصنف كتاب « الارتياح بوصف الراح » ، هاجر من قرطبة إلى إشبيلية ووزر للمعتضد . ( انظر : المطمح : 23 ، وعنه النفح 3 : 544 ، والمغرب 1 : 96 ، والجذوة : 61 ، والبغية رقم : 170 ) . [ 3 ] س : يعتمدك .