ابن بسام

307

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

مكاتبته ، ونبّهني على ما في التثاقل عن مداخلته ، من التضييع الصّريع ، والتقصير البيّن الصّحيح ، إذ هي أسنى علق غولي به [ 1 ] ، وأنفس ذخر نوفس فيه . فطربت إلى ذلك « كما طرب النشوان مالت به الخمر » ، واهتززت له « كما اهتز تحت البارح الغصن الرّطب » . ورأيت من شكر يد العلياء فيما حثني إليه ، وحضني عليه ، مما فيه حلية الفخر ، ومكرمة الدهر ، أن أستفتح باب المكاتبة بالشفاعة ، وأنهج طريق المخاطبة في العناية به ، وبيننا ، بعد ، من ذمام الطلب ، وحرمة الودّ والأدب ، ما أستقصر نفسي معه أن أتقدم في خدمة رغبته بقلمي [ 2 ] ، وقد تأخّرت قدمي ، ويعدّ لاقتصار غيبته كتابي ، دون أن أزمّ لذلك ركابي ، وهو فتى نام جده ، واستيقظ حده ؛ فتنكر الزمان له ، واعترّت [ 3 ] الأيام به ، بين ذئاب سعاية عوت عليه ، وعقارب وشاية دبت إليه ، وأصلي بنار حرب لم يجنها ، وأعدته مبارك جرب التبس بها ، / وآل به الأمر إلى فراق أحبته ، والبعد [ 4 ] عن مسقط رأسه ومعقّ تمائمه ، على ضيق حاله ، وضعف إحسانه . وأشهد أنّ ذلك لم يزده للحاجب إلّا ولاء ، وعليه إلا ثناء ، وأنه لا يزال يعيد شكره ويبديه ، وينشر حمده ويطويه ، والحاجب - أدام اللّه إعزازه - وليّ أعدائه على زمنه الغشوم ، وأملا بإنصافه من دهره الظلوم ، بإلباسه من جميل رأيه ما عرّي منه ، وإيراده من شريعة رضاه ما حلّئ عنه ، والتّخلية بينه وبين الأفق الذي لم ير كوكب سعد إلا فيه ، ولا تلقّى نسيم حياة [ 5 ] إلّا منه ، فإنه ممّا يوليه من إحسانه ، ويأتيه من الفضل في شانه ، مستجزل شكر من أنهضه لسان ، واستقلّ به بيان ، وهو أهل الفضل ، والمعهود منه كرم الفعل ، واللّه يبقيه ويعليه ، وهو حسبه وحسبي فيه . ولما اطّرد هذا النثر لحسن اتساقه ، ولذّ مساقه ، هزّت النّظم أريحيّة جذب لها بعنانه ، وعارضه بها في ميدانه ، وأبت أن ينفرد النثر بلقاء الحاجب ومشافهته ، ويستبدّ بأن بلمح غرّته ، ويخدم بالحضور حضرته ، فأثبتّ منه ما إن أنعم عند تصفحه بالصفح عن الزّلل يعرض فيه ، والخلل يبدو منه ، وصل النّعمة بمثلها ، وقرن العارفة بشكلها : لبيض الطّلى ولسود اللمم * بعقلي ، مذ بنّ عني ، لمم [ 6 ]

--> [ 1 ] ب س : فيه . [ 2 ] س : قلمي ؛ وهنا موضع خرم في ب ، ضاعت بسببه ورقات . [ 3 ] س : واعتزت . [ 4 ] س : وأبعد . [ 5 ] س : حياء . [ 6 ] ديوان ابن زيدون : 406 .