ابن بسام
259
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وما أرى أبا عامر إلا نقله من قول المعري في رثاء أمّه حيث يقول [ 1 ] : سألت متى اللقاء ؟ فقيل : حتى * يقوم الهامدون من الرّجام قالوا : وكان أبو عامر كثيرا ما كان يخشى صعوبة الموت ، وشدة السوق ، فيسر اللّه عليه ، وما زال يتكلم ويرغب إلى اللّه أن يرفق به ، ويكثر من ذكره ، وقد أيقن بفراق الدنيا ، إلى أن ذهبت نفسه رحمه اللّه / يوم الجمعة آخر يوم من جمادى الأولى سنة ست وعشرين وأربعمائة . ولم يشهد على قبر أحد ما شهد على قبره من البكاء والعويل ، وأنشد على قبره من المراثي جملة موفورة لطوائف كثيرة ، منها قول أبي الأصبغ القرشي من قصيدة يقول فيها : شهدنا غريبات المكارم والعلا * تبكّي على قبر الشهيديّ أحمدا وما زال أهل الدين والفضل والتّقى * عكوفا به حتى حسبناه مسجدا أريد بسقيا الغيث إحياء حفرة * كدرنا بها نجم العلا المتوقدا ولم أر مثلي بات مستسقي الحيا * لماء حياء كان يشفي من الصّدى فأيّ جمال صار في قبضة الثّرى * وأيّ بهاء قد طوته يد الرّدى وأيّ قناة في طلى الأرض غيّبت * وأيّ حسام في حشا القبر أغمدا بنفسي الذي أودى وأنشأ للندى * حماما على دوح العلاء مغردا أبا عامر ، بعدا لسهم مصيبة * رماك به ريب المنون فأقصدا لقد فتّ في نشر الفضائل يافعا * وبرّزت في جمع المكارم أمردا لشقّت عليك المكرمات جيوبها * وأظهر فيك المجد خدا مخددا ومنه قول أبي حفص ابن برد الأصغر [ 2 ] من قصيدة أولها : بفيك التّرب من ناع نعاني * نعى غيري إليّ وما عداني وكيف ولم يسل طرفي بدمع * عليه ، ولم يجنّ له جناني لأية خصلة تبكيك عيني * وما لي بالحساب لها يدان أللهمم المنوطة بالثريّا * أم الشيم المهذبة الحسان أم الكرم الذي ما زال يجري * مع الأنواء في طلق الرهان
--> [ 1 ] شروح السقط : 1468 . [ 2 ] سترد ترجمته في هذا القسم من الذخيرة : 486 - 535 .