ابن بسام

246

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

عباد ومن معي من الأندلسيّين ، فثاروا في وجهه ، فتواقف الفريقان ساعة ، وظهر كمين ابن عباد وجاد صبره ، وحرّض غلمانه العجم ، فشدّت الجماعة على يحيى شدّة منكرة ، وحدروا من ذلك التل الذي تسنموه فانكسروا ، وصرع في ذلك قوم وتمادى الطّلب وراءهم بعد مواقفة عظيمة ، فصرع يحيى وحزّ رأسه ، وطير به إلى ابن عبّاد بإشبيليّة فخرّ ساجدا وسجد [ 1 ] من حضر لسجوده ، انطبق البلد فرحا ، واستمرّت الهزيمة على أصحاب يحيى ، حتى ساء ذلك محمد بن عبد اللّه ، وبدت عصبيّته لقومه ، وكلّم ابن عباد في رفع السيف عنهم فأطاعه في ذلك ، وتمّ لابن عبد اللّه ما أراد من حقن دماء قومه ، إذ لم يأت الذي أتاه إلا عن ضرورة ، ولم يتلعثم أن أسرع الرّكض إلى قرمونة دون إسماعيل بن عباد ، فجاءها لوقته وقد ملك سودان يحيى أبوابها على أهلها ، فدنا إلى مكان عورتها من سورها الجوفي وقد عرفه [ 2 ] ، ففتح له ودخل من ساعته دار يحيى وحاز جميع ما ألفاه من مال ومتاع ، واشتمل على نسائه وأباح حرمه لبنيه [ 3 ] ، واستحلّ حرامهن ، واستوى في مجلسه ، ونصر نصرا لا كفاء له ، ورد اللّه عليه ملكه ، ثم لم يجده على ذلك شاكرا للنعمة ، ولا مقصرا عن ارتكاب المعصية . وسقط الخبر بمقتل يحيى على أهل قرطبة فما صدّقوه من الفرح . قال أبو عامر : ومما يلزم المدّعي لصناعة الكلام إذا اعتمد وصف حالة أن يستوفي [ 4 ] جميعها ، ويكون ما يطلبه من الإبداع والاختراع فيها غير خارج عنها وما هو بسبيلها ، فذلك أبهى لكلامه ، وأفخم للمتكلّم به ، / وأدل على أنّ الكلام له ومن تأليفه ، لا كما شهدته يوما عند ابن حمّود وقد صدر عن ابن الشّرب ، ومدحه عدة شعراء صدور أشعارهم لزينب والرّباب ولميس وفرتنى ، وأعجازها للجود والكرم وبذل اللهى ، ولم يلمم أحد منهم بذلك الغرض والمغزى إلا في بيتين أو ثلاثة ، فأنشدته أنا يومئذ من جملة قصيدة أولها [ 5 ] : فريق العدا من حدّ عزمك يفرق * وبالدّهر مما خاف بطشك أولق عجبت لمن يعتدّ دونك جنّة * وسهمك سعد والقضاء مفوّق

--> [ 1 ] البيان : وعجب . [ 2 ] البيان : إلى مكان عرفه في سورها الجوفي . [ 3 ] س : بنيه . [ 4 ] س : يستوفي ذكره . [ 5 ] ديوان ابن شهيد : 130 ( عن الذخيرة وحدها ) .