ابن بسام
238
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وكتبت بديهة [ 1 ] : مرض الجفون ولثغة في المنطق * سيّان جرّا عشق من لم يعشق من لي بألثغ لا يزال حديثه * يذكي على الأكباد جمرة محرق ينبي فينبو في الكلام لسانه * فكأنّه من خمر عينيه سقي لا ينعش الألفاظ من عثراتها * ولو انّها كتبت له في مهرق ثم قمت عنهم فلم ألبث أن وردوا عليّ ، وأخبروا أنّ أبا جعفر لم يرض ما جئنا به من البديهة ، وسألوني أن أحمل مكاوي الكلام على حتاره ، وذكروا أنّ إدريس هجاه [ 2 ] فأفحش ، فلم أستحسن الإفحاش ، فقلت فيه معرّضا إذ التعريض من محاسن القول : أبو جعفر رجل كاتب * مليح شبا الخطّ حلو الخطابه تملأ شحما ولحما وما * يليق تملّئوه بالكتابة وذو عرق ليس ماء الحياء * ولكنّه رشح فضل الجنابة جرى الماء في سفله جري لين * فأحدث في العلو منه صلابه [ قال ابن بسّام : وليت شعري ما التصريح عند أبي عامر إذا سمّى هذا تعريضا ؟ ولولا أنّ الحديث شجون ، والتتابع فيه جنون ، والكلام إذا لان قياده ، سهل اطّراده ، وإذا قرب بعضه من بعض ، لم يفرّق فيه بين سماء وأرض ، لما استجزت أن أشين كتابي بهذا الكلام البارد معرضه ، البعيد من السّداد غرضه ، وقد يطغى القلم ، وتجمح الكلام . وقوله : جرى الماء في سفله جري لين يشبه قول الآخر ، وضمن بيت النابغة [ 3 ] : يا سائلي عن خالد ، عهدي به * رطب العجان وكفه كالجلمد « كالأقحوان غداة غبّ سمائه * جفّت أعاليه وأسفله ندي » وقوله :
--> [ 1 ] ديوانه : 132 وهي فيما عدا الثاني في الشريشي 3 : 28 . [ 2 ] ط : سماه ؛ وإدريس هو ابن اليماني العبدري اليابسي ، وقد أثبت ابن ظافر ( بدائع البداية : 84 ) أبياتا هجا فيها إدريس أبا جعفر ابن عباس . [ 3 ] انظر رفع الحجب 1 : 97 وينسب الشعر لابن الرومي ، وليس في ديوانه .