ابن بسام

215

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

طلبته الكماة أعجزها ؛ وهو مع ذلك بفراط في إدامه ، وجالينوس في اعتذال طعامه ؛ غداؤه حمام أو دجاج ، وعشاؤه تدرج أو درّاج . قال أبو عامر : وكان فيما يقابلني من ناديهم فتى قد رماني بطرفه ، / واتّكأ لي على كفّه ، فقال : تحيّل على الكلام لطيف وأبيك ! فقلت : وكيف ذلك ؟ قال : أو ما علمت أنّ الواصف إذا وصف شيئا [ 1 ] لم يتقدّم إلى صفته ، ولا سلّط [ 2 ] الكلام على نعته ، اكتفى بقليل الإحسان ، واجتزأ بيسير البيان ؟ لأنه لم يتقدّم وصف يقرن بوصفه ، ولا جرى مساق يضاف إلى مساقه ، وهذه نكتة بغداديّة ، أنى لك بها يا فتى المغرب ؟ فقلت لزهير : من هذا ؟ قال : زبدة الحقب ، صاحب بديع الزّمان . فقلت : يا زبدة الحقب ، اقترح لي . قال : صف جارية ، فوصفتها ؛ قال : أحسنت ما شئت أن تحسن ؛ قلت : أسمعني وصفك للماء ؛ قال : ذلك من العقم ، [ قلت : بحياتي هاته ، قال ] [ 3 ] : أزرق كعين السنّور ، صاف كقضيب البلّور ؛ انتخب من الفرات ، واستعمل بعد البيات ، فجاء كلسان الشّمعة ، في صفاء الدمعة . فقلت [ 4 ] : انظره يا سيّدي كأنّه عصي صباح ، أو ذوب قمر لياح ؛ له في إنائه ، انصباب الكوكب من سمائه ؛ العين حانوته ، والفم عفريته ، كأنّه خيط من غزل فلق ، أو مخصر يضرب به من ورق ؛ يرفع عنك فتردى ، ويصدع به قلبك فتحيا . فلما انتهيت في الصّفة ، ضرب زبدة الحقب الأرض برجله ، فانفرجت له عن مثل برهوت [ 5 ] ، وتدهدى إليها ، واجتمعت عليه ، وغابت عينه ، وانقطع أثره ، فاستضحك الأستاذان من فعله ، واشتدّ / غيظ أنف النّاقة عليّ فقال : وقعت لك أوصاف في شعرك تظن أني لا أستطيعها ؟ فقلت له : وحتى تصف عارضا فتقول [ 6 ] : ومرتجز ألقى بذي الأثل كلكلا * وحطّ بجرعاء الأبارق ما حطّا سعى في قياد الرّيح يسمح للصّبا * فألقت على غير التّلاع به مرطا

--> [ 1 ] ب س : موصوفا . [ 2 ] ب س : سرد ( اقرأ : سدد ) . [ 3 ] ورد وصف الماء في العطاء الجزيل : 97 منسوبا لابن شهيد . [ 4 ] اليتيمة 2 : 46 والعطاء الجزيل : 97 دون فصل بين هذه الفقرة وما قبلها . [ 5 ] برهوت : واد أو بئر بحضرموت يرون أنها مقر أرواح الكفار . [ 6 ] ديوان ابن شهيد : 121 ومنها ثلاثة أبيات في الشريشي 1 : 161 والأربعة الأولى فيه 2 : 183 .