ابن خاقان
693
قلائد العقيان ومحاسن الأعيان
المراتب المنيفة ، فلمّا أقفرت حمص « 1 » من ملكهم وخلت ، وألقتهم منها وتخلّت ، رحل إلى المشرق ، وحلّ فيها « 2 » محلّ الخائف الفرق ، فجال في أكنافه ، وأجال قداح الرّجاء في استقبال العزّ واستئنافه ، فلم يستردّ ذاهبا ، ولم يجد كمعتمده باذلا له وواهبا ، فعاد إلى الرّواية والسّماع ، وما استفاد في حبالة تلك الأطماع ؛ وأبو بكر - إذا ذاك - ثريّ الذّكاء قضيب ما دوّح ، وفي روض الشّباب زهر ما صوّح ، فألزمه مجالس العلم رائحا وغاديا ، ولازمه سائقا إليها وجاريا ، حتّى استقرّت به مجالسه ، واطّردت له مقايسه ، فجدّ في طلبه / [ 225 / و ] واستجدّ به أبوه متحرّق أربه ، ثمّ أدركه حمامه ، ووارته هناك رجامه ، وبقي أبو بكر متفرّدا ، وللطّلب متجرّدا ، حتّى أصبح في العلم وحيدا ، ولم تجد عنه رئاسته محيدا ، فكرّ إلى الأندلس ، فحلّها والنّفوس إليه متطلّعة ، ولأنبائه متضرّعة ، فناهيك من حظوة لقي ، وعزّة سقي ، ومن رفعة « 3 » أسنى إليها وأرقى وحسبك من مفاخر قلّدها ، ومن محاسن « 4 » أثبتها فيها وخلّدها . وقد أثبتّ من بديع نظمه ما يهزّ أعطافا ، وتردّه الأوهام « 5 » نطافا ؛ فمن ذلك قوله يتشوّق إلى بغداد ، ويخاطب فيها أهل الوداد « 6 » :
--> - بالمروءة والعصبية ، وقصّة اصطفاء المأمون لابن أبي دؤاد على ما يرويها ابن خلكان في كتابه الوفيات : 1 / 82 - 84 ، وترجمته في تاريخ الطبري : 11 / 49 ، والشذرات : 2 / 93 . ( 1 ) هي إشبيلية . ( 2 ) المطمح : فيه . ( 3 ) المطمح : ومن رفعة سما إليها ورقي . ( 4 ) المطمح : ومن محاسن أنس نبتها فيها وخلّدها . ( 5 ) المطمح : الأفهام . ( 6 ) المطمح : 299 .