ابن خاقان

53

قلائد العقيان ومحاسن الأعيان

بإشراقه ، وأذوت يانع إيراقه ، فلم يدفع الرّمح ولا الحسام ، ولم تنفع تلك المنن الجسام ، فتملّك بعد الملك ، وحطّ من فلكه إلى الفلك ، فأصبح خائضا تذروه « 1 » الرّياح ، وناهضا يزجيه البكاء والصّياح ، قد ضجّت عليه أياديه ، وارتجّت جوانب ناديه ، وأضحت منازله قد بان عنها الأنس والحبور ، وألوت ببهجتها الصّبا والدّبور « 2 » ، فبكت العيون عليه دما ، وعاد موجود الحياة عدما ، وصار أحرار الدّهر فيه خدما ، فسحقا للدّنيا ما رعت حقوقه ، ولا أبقت شروقه ، فكم أحياها لبنيها ، وأبداها رائقة لمجتليها ، وهي الأيّام لا تقي من تجنّيها ، ولا تبقي على مواليها . أدثرت آثار جلّق « 3 » ، وأخمدت نار المحلّق « 4 » / ، وذلّلت عزّة عاد بن شدّاد ، وهدّت القصر ذا الشّرفات من سنداد « 5 » ، ونعمت « 6 » ببؤس

--> ( 1 ) بقية النسخ : تحدوه ، وفي هذا إشارة إلى الآية الكريمة : « فأصبح هشيما تذروه الرياح » ( الكهف : 45 ) . ( 2 ) الدّبور : ريح تأتي من دبر الكعبة ، ممّا يذهب نحو المشرق ، والصّبا : ريح تستقبل البيت . ( اللسان : دبر ، صبا ) . ( 3 ) جلّق : اسم لكورة الغوطة كلّها ، وقيل : بل هي دمشق نفسها ، ذكرها حسّان بن ثابت بقوله : للّه درّ عصابة نادمتهم * يوما بجلّق في الزّمان الأوّل ( معجم البلدان : 2 / 154 ، وديوان حسان : 361 ) . ( 4 ) المحلق : اسم رجل من ولد بكر بن كلاب من بني عامر ، ممدوح الأعشى ، وسمّي بذلك لأن فرسه عضّته في وجهه ، فتركت به أثرا على شكل الحلقة ، وإيّاه عنى الأعشى بقوله : تشبّ لمقرورين يصطليانها * وبات على النّار النّدى والمحلّق ( ديوان الأعشى : 275 ) . ( 5 ) سنداد : اسم قصر بالعذيب ، ومنه قول الأسود بن يعفر : ( ديوانه : 27 ، معجم البلدان : 3 / 265 ) . أهل الخورنق والسّدير وبارق * والقصر ذي الشّرفات من سنداد ( 6 ) ب ق : ونعت .