ابن خاقان

مقدمة ش

قلائد العقيان ومحاسن الأعيان

الذي نجده عند صاحب الذخيرة ، الذي رصد - بإمعان - تطور الحركة الأدبية النقدية المشرقية ، بأن توقف عند السرقات الأدبية ، وأخذ يرد أشعار الشعراء إلى أصولها الموروثة ، موضحا ما نقله الشعراء من المعاني والخواطر ، والصور البيانية والبديعية . ولعل في هذا ، ما يضيء باعتماد الفتح إلى حد ، على صاحب الذخيرة ، بل اعتماده على المصادر الأخرى ، كالمصنفات التي لم تصل إلينا . ولكن مع الاستضاءة بهذه الناحية المنهجية ، فإن ما في القلائد هو من أسلوب الفتح وهيئته ، لأن له قدرة فائقة على التذوق والاستيعاب ، والنفاذ إلى جوهر الشخصية التي يترجمها . وهذا لا يعارضه بأن الفتح لم يجهد نفسه في جمع المادة ، وفي التنقيب والاستقصاء ، وانما الكتاب ، في كثرته ، تحديث ومشافهة عن الوزراء والفقهاء والكتاب ، ومن إليهم ، فإنه يسوق السند موصولا عمن حدثه وأخبره . وذلك كثير في القلائد ، كثرة غامرة ، بلغ نحوا من عشرين راوية . كقوله : " أخبرني ذو الوزارتين . . . " « 1 » و " أخبرني الوزير . . . " « 2 » و " أخبرني الفقيه . . . " « 3 » ، و " أخبرني الوزير الكاتب . . . " « 4 » ، وذلك ما يوضح الطبيعة المنهجية في كتابه ، إذ انطلق من غرض ذاتي ، وهو ما أبرزه اهتمامه بالشعر ، أكثر من النثر ، حتى لا يقلل من القيمة الأدبية لنثره هو ، ذلك أنه أراد أن يروع الناس ببلاغته ، وذلك ما جعل الباحثين يقللون من شأن القلائد . ومع ذلك كله ، فإن للقلائد قيمة أدبية بحد ذاتها ، لأنها تحتوي على تراجم ليست موجودة في كتاب الذخيرة « 5 » ، ولا في غيره ، وكذلك لاحتوائها على نصوص أدبية ذات قيمة تأريخية ، لصدورها عن علي بن تاشفين أمير المسلمين ، إلى أهل إشبيلية وغيرها من حواضر الأندلس « 6 » .

--> ( 1 ) القلائد : 5 . ( 2 ) نفسه : 48 . ( 3 ) نفسه : 52 . ( 4 ) نفسه : 59 . ( 5 ) بلغت هذه التراجم ، تسعا وعشرين ترجمة . ( 6 ) راجع القلائد : 124 ، 127 ، 128 .