ابن خاقان

مقدمة ح

قلائد العقيان ومحاسن الأعيان

أنه كان يقيم أوده من موائد الأمراء والوزراء ، وذلك يرفع من شأن النزعة الذاتية عنده ، ويجعلنا في حيرة من أمره ، وحتى من أمر مؤلفه وقيمته التأريخية . أما الثناء الثمين الذي كان يغدقه هو لأهل وقته ، فكتابه القلائد من الوضوح ، بحيث نكتفي بالإشارة إلى ذلك ، عن أن نحصي كل ما جاء على هذا المعنى في تراجمه الكثيرة . ولعله بذلك ، يمكن أن تنتظم العلاقة ، وتنعقد المناسبة ، من جميع الأطراف ، في اجمال الأسباب لهذا الاغتراب والاضطراب ، لمن هو في مثل هذه النفس " الخاقانية " المطبوعة على سرعة التنقل وتوالي الأسفار . ولسوف نرى ، أن لهذا الجانب النفسي عنده ، الأثر الكبير على كتابه ومنهجه فيه ، إذ سيرينا جانبا أو قل قطاعا من الحياة الأندلسية ، في جمالها واجتماعها ، كأنها المتنزه للفرجة ، وليس ذلك ، ألا للانعكاس الطبيعي لحياته وجبلة نفسه . وذلك من الأوجه الرئيسة في باب المقارنة وأسبابها بينه وبين معاصره ، صاحب الذخيرة ، الذي كان أكثر تقييدا للأدب والتأريخ الأندلسيين . وكان الفتح يطاوع نزواته ، فليس يحفل بضياع دين ولا مروءة ، وليس يثبت على حال . ومن يقف على الجوانب الشخصية عنده ، يجد عجبا ، فإنه قد جمع المحاسن والأضداد ، فهو من جهة يسرف في الكرم حتى لا يليق شيئا ، ومن جهة أخرى ، تجده شرها ، مقذعا ، يتجنبه الناس لسلاطته اللسانية . ولذلك كانوا ينفذون إليه الصلات الجزيلة ، حتى يشتروا منه أعراضهم . فعن الكرم والإسراف فيه ، يحدثنا هو نفسه ، أن أمير بلنسية ، كان قد استدعاه إلى الالتزام لخدمته وعزم في ذلك عليه ، وأرسل له مالا كثيرا ، وأخذ على نفسه المواثيق فقال الفتح : " فأبيت ، وتلومت والتويت ، وفرقت ما أعطاني ، وعطلت صهوة التوجيه التي أمطاني " « 1 » . فكتب إليه الرئيس أبو عبد الرحمن بن طاهر ، يلومه على ذلك ، وينصحه بأن يقصد في مواهبه ، ويقصد إلى العدل في مذاهبه ، ويقول له : " . . . ولا

--> ( 1 ) القلائد : 76 .