عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي
50
المختصر من كتاب السياق لتاريخ نيسابور
تعالى وحجّ وأناب إلى التقوى والورع . وسمع الحديث وصحب المشايخ ، متبركا بأنفاسهم ، باذلا وسعه في قصدهم وزيارتهم ، والاقتباس من أنوار دعواتهم وإشاراتهم ، فصار مشهورا بحشمة الدين مع حشمة الدنيا ، وأخذ في بناء المساجد وعماراتها ، واتخاذ الربطات والقناطر ، وتهيئة المراحل في الطرق وساير المساعي . وبارك اللّه في أموره وفي أولاده وأحفاده وأهل بيته ، كلّ ذلك من حسن نيّته وقوّة اعتقاده ونصرته للسنة والجماعة ، حتى مضت الدول في الانخفاض والارتفاع ، واستمرّت نوبة آل سلجوق في الملك ، وظهر أمره وعلا ذكره وصيته . وحدّث الثقات : [ 15 ب ] أنّه لما وقعت وقعة . . . إليه لما كان من الاعتماد عليه بعض ما كان من الذخاير في الخزاين [ ظ ] فاستدعي منه إنفاقها في الخيرات ووجوه العمارات . ثم بعد ذلك طولب بها فلم ينكر ذلك وأجاب بأنه ما سلّم إليه ما سلّم إلا لوجه الخير ، واثقا بصدق نيته وخير المطالب فيه فان تركه صرفه في الوجه الذي أمر به وإن استردّه ظلما منه كان معذورا فيه عند اللّه تعالى ، فصدّق فيه وأقرّ على ما ادّعاه . وعصمه اللّه بصدقه حتّى تمشى ذلك على لسانه ويديه فأخذ في الانفاق وصرف ما كان بملكه مع ذلك في وجوه الخير فبنى الجامع المعروف بمرو الروذ وأقام فيه الجمع والجماعات ، وأمر بكثير من العمارات بها سوى ذلك . وكان يدخل نيسابور ويعامل أهلها ويخرج ويعود ، فاطلع على أسرار الأمور ، وعرف الرسوم والمقادير فوقع له الرغبة في بناء الجامع الجديد لما كان عهد من التعصّب بين الفريقين ، واضطراب أمور الأصحاب في الدولة الماضية ووقوع الوحشة الشنيعة قبل انتظام الأمور بالدولة النظامية ، وانقطاع مادّة الأهواء من الفرق وطي بساط العصبية وشرع الرسوم المرضية ، فاستدعى من السلطان المبارك ألب أرسلان الشهيد الاذن في بناء المسجد مستنديا [ ظ ] بالرأي النظامي ، متوكلا على اللّه تعالى ، معتضدا بنصرة أهل السنة والجماعة ، فأجيب إلى ذلك . فأخذ في التأسيس والتنفيذ [ ظ ] من خا [ ل ] ص ماله الذي ادّخره لوجه الخير مع ما يحصل له من الريع من ضياعه وأسبابه الذي كان تجلب إليه من بلدته ، وكان ابتداء ذلك في شهور سنة ستّ وسنة سبع وخمسين وأربع مئة .