سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري

398

الأنساب

النساء والعبيد والثقل والعسفاء « 14 » . فلمّا رأى ذلك امرؤ القيس تخلّف بعد ما سار الرجال من قومه غلوة « 15 » ، وكمن في غيابة من الأرض ، حتى مرّت به النساء ، فإذا فتيات كالمها ، بينهن عنيزة ، فلمّا رأين الغدير قلن : لو نزلنا هاهنا واغتسلنا في هذا الغدير ، ليذهب عنّا بعض الكلال . فقالت إحداهنّ : نعم فافعلن . فعدلن إلى الغدير فنزلن ، ونحّين عنهنّ العبيد ، ودخلن الغدير . فأتاهن امرؤ القيس محتالا ، وهنّ غوافل ، فأخذ ثيابهنّ ، وهنّ في الغدير ، ثم جمعها وقعد عليها وقال : واللّه ، لا أعطي جارية منكنّ ثوبها ، ولو ظلّت في الغدير إلى الليل ، حتى تخرج كما هي متجرّدة ، فتكون هي التي تأخذ ثوبها . فأبين ذلك عليه ، حتى ارتفع النهار ، وخفن أن يقصّرن دون المنزل الذي يردنه . فعند ذلك خرجت إحداهنّ ، فوضع لها ثوبها ناحية ، فمشت إليه ، فأخذته ، فلبسته . ثم تتابعن على ذلك ، حتى بقيت عنيزة ، فناشدته اللّه أن يضع لها ثوبها . فقال : لا واللّه ، لا تمسّيه دون أن تخرجي عريانة كما خرجن . فخرجت ، فنظر إليها مقبلة ومدبرة ، فوضع لها ثوبها ، فأخذته فلبسته ، وأقبلت النسوة عليه فقلن : غدنا ، فقد حبستنا وجوّعتنا . فقال : إن نحرت لكنّ ناقتي أتأكلن منها ؟ فقلن : نعم . فاخترط سيفه وعرقب ناقته ، ثم كشطها . وجمع الخدم حطبا كثيرا ، وأجّج نارا عظيمة ، وجعل يقطع لهنّ من كبدها وسنامها وأطايبها ، فيرميه على الجمر ، وهنّ يأكلن منه ، ويشربن من فضلة كانت معه « 16 » في ركوة له ، ويغنّيهنّ ، وينبذ إلى العبيد من الكباب ، حتى شبعن ، وطربن وطربوا . فلمّا ارتحلوا قالت إحداهنّ : أنا أحمل طنفسته وأنساعه « 17 » ، وقالت الأخرى : أنا أحمل خشبته ورحله ، فقسمن متاع راحلته بينهنّ وزاده ، وبقيت عنيزة لم تحمل شيئا . فقال لها امرؤ القيس : يا بنت الكرام ، ليس لك بدّ من أن تحمليني معك ، فإنّي لا أطيق المشي ولم أتعوّده . فحملته على غارب بعيرها ،

--> ( 14 ) الثقل : متاع المسافر وحشمه . العسفاء ج عسيف : الأجير . ( اللسان ) . ( 15 ) الغلوة : قدر رمية بسهم . ( اللسان ) . ( 16 ) في الشعر والشعراء 1 / 124 : ويأكلن ويأكل معهنّ ، ويشرب من فضلة خمر كانت معه . ( 17 ) الطنفسة : النمرقة توضع فوق الرحل ، والبساط . الأنساع ج نسع : سير يضفر تشد به الرحال . ( اللسان ) .