سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري

252

الأنساب

اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا * في رأس غمدان قصرا منك محلالا في شعر له طويل . قال : فاستأذنوا عليه ، فأذن لهم ، فدخلوا عليه ، فإذا الملك مضمّخ بالعنبر ، ينطف من وجهه ، وينبض المسك من مفرقه ، وسيفه بين يديه ، وعن يمينه وشماله الملوك وأبناء الملوك والمقاول . فدنا عبد المطّلب ، فاستأذنه في الكلام ، فقال سيف بن ذي يزن : إن كنت ممّن يتكلّم بين يدي الملوك فقد أذنّا لك . فقال له عبد المطّلب : إنّ اللّه قد أحلّك - أيّها الملك - محلّا رفيعا ، صعبا منيعا ، شامخا باذخا ، وأنبتك منبتا علت أورمته ، وعزّت جرثومته ، وثبت أصله ، وبسق فرعه ، في أكرم معدن ، وأطيب موطن . وأنت - أبيت اللعن - رأس العرب ، وربيعها الذي تخصب به ، وأنت - أيّها الملك - رأس العرب الذي له تنقاد ، وعمودها الذي عليه العماد ، ومعقلها الذي تلجأ إليه العباد ، سلفك خير سلف ، وأنت لنا منهم خير خلف ، فلن يخمل ذكر من أنت سلفه ، ولن يهلك من أنت خلفه . نحن - أيّها الملك - أهل حرم اللّه ، وسدنة بيته ، أشخصنا الذي أبهجنا ، لكشف الكرب الذي فدحنا ، فنحن وفد التهنئة ، لا وفد المرزئة . قال : وأيّهم أنت ، أيّها المتكلّم ؟ قال : أنا عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف . قال له الملك : ابن أختنا ؟ قال : نعم . وكانت أمّ عبد المطّلب من اليمن ، من الخزرج ، من بني عديّ بن النجّار ، من أهل المدينة . فعند ذلك قال له الملك : ادن منّي ، فأدناه ، ثمّ أقبل عليه وعلى القوم فقال : مرحبا وأهلا ، وناقة ورجلا ، ومناخا سهلا ، وملكا ربحلا « 82 » ، يعطي عطاء جزلا ، قد سمع الملك مقالتكم ، وعرف قرابتكم ، وقبل وسيلتكم ، فأنتم أهل الليل ، وأهل النّهار ، لكم الكرامة ما أقمتم ، والحباء إذا ظعنتم . ثم قال : انهضوا إلى دار الضيافة والوفود . فأقاموا شهرا ، لا يصلون إليه ، ولا يؤذن لهم في الانصراف . قال : وأجريت عليهم الأموال والموائد . ثم انتبه لهم انتباهة ، فأرسل إلى عبد المطلب ، فأدناه ، وأخلى مجلسه وأدناه وخلا به ثم قال : يا عبد المطّلب ، إني مفض إليك من سرّ علمي أمرا ، لو غيرك يكون لم أبح له [ به ] ، ولكنني وجدتك معدنه فأطلعتك عليه ، فليكن عندك مطويّا حتى يأذن اللّه فيه ، فإنّ اللّه بالغ أمره ، إني أجد في الكتاب المكنون ، والعلم المخزون الذي اختزنّاه لأنفسنا ، واحتجبنا به دون

--> ( 82 ) الربحل : العظيم الشأن .