سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري
248
الأنساب
منهنّ . قال : وما هنّ ؟ قال : دخلت ، وأنت رجل قصير ، وإيواني ذاهب في السماء ، فطأطأت رأسك ، ثم دخلت باب الإيوان . ثم كلّمتني ، فسقطت مخصرتك من يدك ، فقطعت كلامي حتى أخذتها ، وما فعل هذا بي أحدّ قطّ ، ثم جلست على طعامي ، فمدّ رجل من أساورتي يده ليأخذ شيئا ممّا بين يديك ، فقطعت إصبعه بسكّينك ، ما رأيت مثلك ! قال ابن ذي يزن : أمّا قولك طأطأت رأسي فإنّ همّتي أعظم من إيوانك ، وأمّا قطعي كلامك حتى آخذ مخصرتي فإنّ كلامي بها ، وما كنت لأتكلّم وليس معي مخصرتي ، وأما قطعي ليد رجل من أساورتك فإني ما خرجت من اليمن إلّا مخافة أن أضام ، فكيف أقرّ على الضّيم رأي العين ؟ فعجب كسرى من قوله ، ثم شاور أصحابه فقالوا : ما ينبغي أن تنجد هذا الرجل بخيل ، وبلده بعيد ، وليس لك من الرّأي إلّا أن تخرج من في سجونك من الفرس ، وتعطيهم السلاح ، وتقوّيهم بالخيل والآلة ، ثم وجّه بهم مع هذا الرّجل ، فإن فتحوا فتحا كان ما أردت ، وإن قتلوا كان قتل قوم كنت تخافهم على مملكتك . فأخرج كسرى جميع من كان في حبسه من الفرس ، ممّن كان يخافهم على مملكته ، وكانوا ثمانمائة رجل ، وأعدّ لهم السّلاح والآلة ، وحملهم على الخيل ، ثم قال لابن ذي يزن : ليس عندي ما أنجدك به غير هؤلاء . فوجّه بهم عنده ، وولّى عليهم ابن عمّ له كان قد تشغب عليه يقال له خرزاد بن موسى « 71 » ، من نسل بهرام جور ، وكان رجلا حازما ، وهو من الأساورة المتقدّمين ، وقد أتت عليه مائة وعشرون سنة ، وسقط حاجباه على عينيه ، فحملهم في ثمان سفن ، فخرج بهم ابن ذي يزن في البحر ، فغرق منهم مركبان فيهم مائتا رجل ، ونجا منهم ستمائة ، وساروا حتى أرست مراكبهم بساحل عدن ، فلما خرجوا إلى عدن كتب ابن ذي يزن إلى اليمن يخبرهم بقدومه ويستنجدهم ، وكان أوّل من أمدّه السّكاسك من كندة في جمع عظيم ، ونزلت إليه حمير وهمدان من جبالها ، فصاروا في أربعين ألفا من اليمن ، وصارت
--> ( 71 ) المشهور أن قائده كان وهرز . ( انظر سيرة ابن هشام 1 / 63 ) وفيه أنه كان ذا سنّ فيهم وأفضلهم حسبا وبيتا ، والطبري 2 / 139 وما بعدها ، والبداية والنهاية 2 / 177 وما بعدها . واسم ( موسى ) ليس من أسماء الفرس ، والراجح أنه محرّف عن ( نرسي ) .