محمد الحميدي
548
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
والخاصّة هنالك ، لسلوكه في فنون من المنظوم نفق عند الكلّ ، حتّى كان كثير من شيوخ الأدب في وقته يقولون : فتح الشّعر بكندة ، وختم بكندة ، يعنون امرأ القيس ، والمتنبّي ، ويوسف بن هارون ، وكانا متعاصرين ؛ واستدللت على ذلك بمدحه أبا عليّ إسماعيل بن القاسم عند دخوله الأندلس بالقصيدة التي أنشدناها عنه الحاكم أبو بكر مصعب بن عبد اللّه الأزديّ ، وأولها [ من الكامل ] : من حاكم بيني وبين عذولي * الشّجو شجوي والعويل عويلي وكان وصول أبي عليّ القاليّ إلى الأندلس سنة ثلاثين وثلاث مائة . أخبرني أبو محمد عليّ بن أحمد ، قال : أخبرني أبو بكر محمد بن إسحاق المهلّبيّ ، عن بعض إخوانه ، وأظنّه أبا الوليد ابن الفرضيّ ، عن أبي عمر يوسف بن هارون ، قال : خرجت يوما إثر صلاة الجمعة ، فتجاوزت نهر قرطبة متفرّجا إلى رياض بني مروان ، فإذا جارية لم أر أجمل منها ، فسلّمت عليها ، فردّت ، ثم حادثتها ، فرأيت أدبا بارعا ، فأخذت بمجامع قلبي ، فقلت لها : سألتك باللّه ، أحرّة أم أمة ؟ فقالت : بل أمة ، فقلت : ما اسمك باللّه ؟ قالت : خلوة . فلما قرب وقت صلاة العصر انصرفت ، فجعلت أقفو أثرها ، فلمّا بلغت رأس القنطرة قالت : إمّا أن تتأخّر ، وإمّا أن تتقدّم ، فلست واللّه أخطو خطوة وأنت معي ، فقلت لها : أهذا آخر العهد بك ؟ قالت : لا ، فقلت لها : فمتى اللقاء ؟ قالت : كلّ يوم جمعة في هذا الوقت ، في هذا المكان ، قلت لها : فما ثمنك إن باعك من أنت له ؟ قالت : ثلاث مائة دينار . قال : فخرجت جمعة أخرى ، فوجدتها على العادة الأولى ، فزاد كلفي بها ، ورحلت إلى عبد الرّحمن بن محمد التّجيبيّ صاحب [ 159 ب ] سرقسطة ، ومدحته بالقصيدة الميميّة المشهورة فيه ، وذكرت في تشبيبها خلوة ، وحدّثته مع ذلك بحديثي ، فوصلني بثلاث مائة دينار ذهبا ثمنها ، سوى ما زوّدني عن نفقة الطريق مقبلا وراجعا . وعدت إلى قرطبة ، فلزمت الرّياض جمعا لا أرى لها أثرا ، وقد انطبقت