محمد الحميدي

514

جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس

منسوب إلى موضع هناك قريب من قرطبة ؛ يقال له : فحص البلّوط . ولي قضاء الجماعة بقرطبة في حياة الحكم المستنصر باللّه . وكان عالما فقيها ، وأديبا بليغا ، وخطيبا على المنابر وفي المحافل مصقعا ، وله اليوم المشهور الذي ملأ فيه الأسماع ، وبهر القلوب ، وذلك أنّ الحكم المستنصر كان مشغوفا بأبي عليّ القالي ، يؤهّله لكلّ مهمّ في بابه ، فلمّا ورد رسول ملك الرّوم ، أمره عند دخول الرسول إلى الحضرة أن يقوم خطيبا بما كانت العادة جارية به ، فلمّا كان في ذلك الوقت ، وشاهد أبو عليّ الجمع وعاين الحفل ، جبن ولم تحمله رجلاه ، ولا ساعده لسانه . وفطن له أبو الحكم منذر بن سعيد ، فوثب وقام مقامه ، وارتجل خطبة بليغة على غير أهبة ، وأنشد لنفسه في أخرها [ من البسيط ] : هذا المقال الذي ما عابه فند * لكنّ صاحبه أزرى به البلد لو كنت فيهم غريبا كنت مطرفا * لكنّني منهم فاغتالني النّكد لولا الخلافة أبقى اللّه بهجتها * ما كنت أبقى بأرض ما بها أحد فاتّفق ذلك الجمع على استحسانه ؛ وجمال استدراكه ؛ وصلّب العلج ، وقال : هذا كبش رجال الدّولة . وقد ذكر هذا المعنى أبو عامر [ 150 أ ] بن شهيد في كتابه المعروف « بحانوت عطّار » وغيره . قال لنا أبو محمد عليّ بن أحمد : وكان مائلا إلى القول بالظاهر ، قويّا على الانتصار لذلك . ومن مصنّفاته : كتاب « الإنباه على استنباط الأحكام من كتاب اللّه » ، وكتاب « الإبانة عن حقائق أصول الدّيانة » . وقد كانت له رحلة كتب فيها ، وطلب ، وسمع من ابن ولّاد بمصر كتاب « العين » للخليل بن أحمد ، ومن أبي بكر بن المنذر كتاب « الإشراف » . ولقي أبا جعفر أحمد بن محمد ابن النحّاس النّحويّ بمصر ، وله معه حكاية مشهورة ، وذلك أنه حضر مجلسه في الإملاء ، فأملى أبو جعفر في جملة ما أملى قول الشاعر [ من الطويل ] :