محمد الحميدي

48

جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس

قصبة الملك ، فصار ، ودخلها يوم منى ثامن ذي الحجة سنة عشرين وأربع مائة ، ولم يبق إلا يسيرا ، حتّى قامت عليه فرقة من الجند ، فخلع ، وجرت أمور يكثر شرحها ، وانقطعت الدّعوة الأموية من يومئذ فيها . واستولى على قرطبة جهور بن محمد ، المذكور آنفا ، وكان من وزراء الدولة العامريّة ، قديم الرّئاسة ، موصوفا بالدّهاء والعقل ، لم يدخل في أمور الفتن قبل ذلك ، وكان يتصاون عنها ، فلمّا خلا له الجوّ ، وأمكنته الفرصة ، وثب عليها ، فتولّى أمرها ، واضطلع بحمايتها ، ولم ينتقل إلى رتبة [ 13 ب ] الإمارة ظاهرا ، بل دبّرها تدبيرا لم يسبق إليه ، وجعل نفسه ممسكا للموضع إلى أن يجيء مستحقّ يتّفق عليه ، فيسلّم إليه . ورتّب البوّابين والحشم على أبواب تلك القصور على ما كانت عليه أيام الدولة ، ولم يتحوّل عن داره إليها ، وجعل ما يرتفع من الأموال السّلطانية بأيدي رجال رتّبهم لذلك ، وهو المشرف عليه ، وصيّر أهل الأسواق جندا ، وجعل أرزاقهم رؤوس أموال [ تكون بأيديهم محصاة عليهم يأخذون ربحها فقط ، ورؤوس الأموال ] « 1 » باقية محفوظة ، يؤخذون بها ، ويراعون في الوقت بعد الوقت كيف حفظهم لها ، وفرّق السّلاح عليهم ، وأمرهم بتفرقته في الدّكاكين وفي البيوت ، حتّى إذا دهم أمر في ليل أو نهار ، كان سلاح كلّ واحد معه . وكان يشهد الجنائز ، ويعود المرضى ، جاريا في طريقة الصالحين ، وهو مع ذلك يدبّر الأمور تدبير السّلاطين المتغلّبين . وكان مأمونا ، وقرطبة في أيامه حريما يأمن فيه كلّ خائف من غيره ، إلى أن مات في صفر سنة خمس وثلاثين وأربع مائة . وتولّى أمرها بعده ابنه أبو الوليد محمد بن جهور على هذا التّدبير ، إلى

--> ( 1 ) ما بين الحاصرتين من بغية الملتمس والمعجب ، وهما ينقلان من الحميدي ، فكأن الناسخ قفز نظره من « رؤوس الأموال » الأولى إلى الثانية فسقط هذا النص ، ولا نشك في وجوده في أصل الحميدي .