محمد الحميدي

36

جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس

حدثنا « 1 » عبد اللّه بن رجاء الغدانيّ ، قال : كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف يعمل نهاره أجمع ، حتى إذا جنّه الليل رجع إلى منزله وقد حمل لحما فطبخه ، أو سمكة فشواها ، ثم لا يزال يشرب ، حتى إذا دبّ الشراب فيه غنّى بصوت وهو يقول [ من الوافر ] : أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر فلا يزال يشرب ويردّد هذا البيت حتى يأخذه النوم . وكان [ 8 أ ] أبو حنيفة يسمع جلبته كلّ يوم « 2 » ، وأبو حنيفة كان يصلّي الليل كلّه ، ففقد أبو حنيفة صوته ، فسأل عنه ، فقيل : أخذه العسس منذ ليال ، وهو محبوس ، فصلّى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد ، وركب بغلة « 3 » واستأذن على الأمير ، قال الأمير : ائذنوا له ، وأقبلوا به راكبا ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط ، ففعل ، فلم يزل الأمير يوسع له في « 4 » مجلسه ، وقال : ما حاجتك ؟ قال : لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ليال ، يأمر الأمير بتخليته ، فقال : نعم ، وكلّ من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا ، فأمر بتخليتهم أجمعين ، فركب أبو حنيفة ، والإسكاف يمشي وراءه ، فلمّا نزل أبو حنيفة مضى إليه ، فقال : يا فتى ! أضعناك ؟ فقال : لا ، بل حفظت ورعيت . جزاك اللّه خيرا عن حرمة الجوار ورعاية الحقّ ؛ وتاب الرّجل ولم يعد إلى ما كان . وكان الحكم المستنصر مواصلا لغزو الرّوم ، ومن خالفه من المحاربين ، فاتّصلت ولايته إلى أن مات في صفر سنة ستّ وستين وثلاث مائة ، وقد انقرض عقبه .

--> ( 1 ) قوله : « قال : حدثنا » ظنها الشيخ الطنجي رحمه اللّه ساقطة فأكملها من تاريخ الخطيب ، مع أن الناسخ استدركها في أعلى السطر على الاختصار ( نا ) . ( 2 ) ضبّب عليها الناسخ . ( 3 ) في تاريخ الخطيب : بغلته . ( 4 ) في تاريخ الخطيب : من .