محمد الحميدي
348
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
عاملنا ببلد كذا وكذا ، واسمه كذا ، يذكر فيه كذا ، للذي تقدّم ذكره ، وإنّما صنعت هذا تجربة لك . فجعل يحلف له أنه ما كذب ، وأنه أمر وافق . وقال له المنصور مرة أخرى ، وقد قدّم طبق فيه تمر : ما التّمركل في كلام العرب ؟ فقال : يقال : تمركل الرجل يتمركل تمركلا : إذا التفّ في كسائه . وله من هذا كثير ، ولكنّه كان عالما . حدّثني أبو محمد عليّ بن أحمد ، قال : حدّثني الوزير أبو عبدة حسّان بن مالك بن أبي عبدة ، عن أبي عبد اللّه العاصميّ النّحويّ ، قال : لمّا قدم صاعد ابن الحسن اللّغويّ على المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر جمعنا معه ، فسألناه عن مسائل من النّحو غامضة ، فقصّر فيها ، فلمّا رآه ابن أبي عامر كذلك قال : دعوه ، فهو من طبقتي في النّحو ، أنا أناظره ، قال : ثم سألنا صاعد ، فقال : ما معنى قول امرئ القيس [ من الطويل ] : كأنّ دماء الهاديات بنحره * عصارة حنّاء لشيب مرجّل فقلنا : هذا واضح ، وإنّما وصف فرسا أشهب عقرت عليه الوحش فتطاير دمها إلى صدره ، فجاء هكذا ، فقال صاعد : سبحان اللّه ! أنسيتم قوله قبل هذا في وصفه : كميت يزلّ اللّبد عن حال متنه * كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل قال : فبهتنا واللّه ، وكأنّنا لم نقرأ هذا البيت قطّ ، واضطرّنا إلى سؤاله عنه ، فقال : إنما عنى أحد وجهين : إمّا أنه تغشّى صدره بالعرق ، وعرق الخيل أبيض ، فجاء مع الدم كالشّيب ، وإمّا شيئا كانت العرب تصنعه ، وهو أنها كانت تسم باللّبن الحارّ في صدور الخيل ، فيتمعّط ذلك الشّعر ، وينبت مكانه شعر أبيض ، فأيّا ما عنى من أحد الوجهين [ 103 أ ] فالوصف مستقيم . قال أبو محمد : وحدّثني أبو الخيار مسعود بن سليمان بن مفلت الفقيه ، أنّ أبا العلاء صاعدا سأل جماعة من أهل الأدب في مجلس المنصور أبي عامر عن قول الشّمّاخ [ من البسيط ] : دار الفتاة التي كنا نقول لها * يا ظبية عطلا حسّانة الجيد