محمد الحميدي
179
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
وطلب الأدب فبرز فيه ، وبسق في صناعة الرّسائل ، مع حسن الخطّ المتّفق على نهايته ، وتقدّم فيهما ، وشارك في سائر العلوم ، ومال إلى الفقه والحديث ، وبلغ من رياسة الدّنيا أرفع منزلة ، وقدّمه الأمير الموفّق أبو الجيش [ 53 ب ] مجاهد بن عبد اللّه العامريّ على كلّ من في دولته لأسباب أكّدت له ذلك عنده ؛ من المودّة والثّقة والنّصيحة والصّحبة في النشأة ، فكان ينظر في أمور الجهة التي كان فيها نظر العدل والسياسة ، ويشتغل بالفقه والحديث ، ويجمع العلماء والصّالحين ، ويؤثرهم ، ويصلح الأمور جهده . وما رأينا من أهل الرّئاسة من يجري مجراه ، مع هيبة مفرطة ، وتواضع ، وحلم عرف به ، مع القدرة . مات بعد الأربعين وأربع مائة عن سنّ عالية . وله رسائل مجموعة متداولة ، منها : الرسالة إلى أبي عمران موسى بن عيسى بن أبي حاجّ يحجّ الفاسيّ وأبي بكر بن عبد الرّحمن فقيهي القيروان ، في الإصلاح بينهما ، وله كلام مدوّن على « تراجم كتاب الصّحيح » لأبي عبد اللّه البخاريّ ، ومعاني ما أشكل من ذلك . وقد رأيته غير مرّة إذا غضب في مجلس الحكم أطرق ثم قام ، ولم يتكلّم بين اثنين ، فظننته كان يذهب إلى حديث أبي بكرة ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يحكم حاكم بين اثنين وهو غضبان » « 1 » . حدّثنا الرئيس أبو العبّاس أحمد بن رشيق الكاتب ، قال : كنت في سنّ المراهقة بتدمير ، أول طلبي للنّحو ، إذ دخل علينا على البحر رجل أسمر ، ذكر أنه من بني شيبة ، حجبة البيت ، وأنه يقول الشّعر على طبعه ، ولا يقرأ ولا يكتب ، وكان يقول : إنه دخل عليه اللّحن بدخول الحضر ، وكان يسأل أديبنا أن يصلح له اللّحن ، ويسألني كثيرا أن أكتب أشعاره بمدائح القائد ، ووجوه البلد ، فمما بقي في حفظي من شعره [ من الخفيف ] :
--> ( 1 ) حديث أبي بكرة في الصحيحين : البخاري 9 / 82 ، ومسلم ( 1717 ) وينظر تمام تخريجه في تعليقنا على الترمذي ( 1334 ) .