محمد الحميدي
162
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
اجتمعتم للمناظرة ، فلا يحتجّ علينا المسلمون بكتابهم ، ولا بقول نبيّهم ، فإنا لا نصدّق بذلك ولا نقرّ به ، وإنّما نتناظر بحجج العقل ، وما يحتمله النظر والقياس ، فيقولون : نعم ، لك ذلك . قال أبو عمر : فلمّا سمعت ذلك لم أعد إلى ذلك المجلس ، ثم قيل لي : ثمّ مجلس آخر للكلام ، فذهبت إليه ، فوجدتهم على مثل سيرة أصحابهم سواء ، فقطعت مجالس أهل الكلام ، فلم أعد إليها . فقال أبو محمد بن أبي زيد : ورضي المسلمون بهذا من الفعل والقول ؟ قال أبو عمر : هذا الذي شاهدت منهم . فجعل أبو محمد يتعجّب من ذلك ، وقال : ذهب العلماء ، وذهبت حرمة الإسلام وحقوقه ! وكيف يبيح المسلمون المناظرة بين المسلمين وبين الكفّار ؟ وهذا لا يجوز أن يفعل لأهل البدع الذين هم مسلمون ويقرّون بالإسلام ، وبمحمد عليه السلام ، وإنّما يدعى من كان على بدعة من منتحلي الإسلام إلى الرجوع إلى السّنة والجماعة ، فإن رجع قبل منه ، وإن أبى ضربت عنقه ؛ وأمّا الكفّار فإنّما يدعون إلى الإسلام ، فإن قبلوا كفّ عنهم ، وإن أبوا وبذلوا الجزية في موضع يجوز قبولها كفّ عنهم ، وقبل منهم . وأمّا أن يناظروا على أن لا يحتجّ عليهم بكتابنا ، ولا بنبيّنا ، فهذا لا يجوز ، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون ! وبقي أبو عمر بن سعدي بعد الأربع مائة بمدّة ، فحدّثنا عنه أبو محمد عبد اللّه بن عثمان بن مروان العمريّ ، وقد رأيت أنا سماعه في بعض الكتب المصرية ، من أبي محمد عبد الرّحمن بن عمر ابن النحّاس المصريّ سنة تسع وأربع مائة ، بخطّ أبي محمد ابن النحّاس ، فدلّ على أنه عاد إلى مصر بعد تلك الرّحلة القديمة أيام الفتن الكائنة بالمغرب . 186 - أحمد « 1 » بن محمد بن درّاج ، أبو عمر الكاتب ، المعروف
--> ( 1 ) ترجمته مشهورة ، وديوانه مطبوع منتشر مشهور ، حققه العلامة الدكتور محمود مكي وطبع بدمشق سنة 1961 م ، فممن ترجمه الثعالبي في اليتيمة 2 / 103 ، وابن بسام -