محمد الحميدي

153

جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس

أمّا النّبيذ فإنّي لست أشربه * ولست آتيك إلّا كسرتي بيدي وزرياب عندهم كان يجري مجرى الموصليّ في الغناء ، وله طرائق أخذت عنه ، وأصوات استفيدت منه ، وألّفت الكتب بها ، وعلا عند الملوك هنالك بصناعته وإحسانه فيها علوّا مفرطا ، وشهر شهرة ضرب بها المثل في ذلك . ولأحمد بن محمد بن عبد ربّه أشعار كثيرة جدّا ، سمّاها الممحّصات ، وذلك أنه نقض كلّ قطعة قالها في الصّبا والغزل بقطعة في المواعظ والزّهد ، محّصها بها ، كالتّوبة منها ، والنّدم عليها ؛ ومن ذلك قطعة محّص بها القطعة المذكورة أولا ، وهي [ من البسيط ] : يا عاجزا ليس يعفو حين يقتدر * ولا يقضّى له من عيشه وطر عاين بقلبك إنّ العين غافلة * عن الحقيقة ، واعلم أنّها سقر سوداء تزفر من غيظ إذا سعرت * للظالمين ، فلا تبقي ولا تذر إنّ الذين اشتروا دنيا بآخرة * وشقوة بنعيم ساء ما تجروا يا من تلهّى وشيب الرّأس يندبه * ما ذا الذي بعد شيب الرّأس تنتظر [ 45 أ ] لو لم يكن لك غير الموت موعظة * لكان فيه عن اللّذّات مزدجر أنت المقول له ما فات مبتدئا * هلّا ابتكرت لبين أنت مبتكر وقرأت على الرئيس أبي منصور بكر بن محمد بن عليّ ، قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد العزيز ، قال : أخبرنا أبو محمد الحسن بن رشيق بمصر ، قال : أنشدنا أبو بكر يحيى بن مالك بن عائذ الأندلسيّ ، قال : أنشدني أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربّه ، شاعر الأندلس ، لنفسه [ من الطويل ] : ألا إنّما الدّنيا غضارة أيكة * إذا اخضرّ منها جانب جفّ جانب هي الدّار ، ما الآمال إلّا فجائع * عليها ولا اللّذات إلا مصائب وكم سخنت بالأمس عين قريرة * وقرّت عيون دمعها اليوم ساكب فلا تكتحل عيناك فيها بعبرة * على ذاهب منها فإنّك ذاهب