عبد الله بن محمد المالكي
524
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
بجماعتهم ، فسر بذلك سرورا عظيما ثم قال لي : « أبوك رأيته اليوم ؟ » فقلت له : « لا واللّه ، أنا من غدوة مشغول معك ، ما رأيت أبي ولا غيره » ، قال : « وكذلك أنا ما رأيته من غدوة » . قال : فمضيت إلى أبي فوجدته قد تشمر وهو يعمل كنافة عجيبة « 61 » . فأخبرته بما جرى لي مع الشيخ في الطاجن ، فقال : « نعم ما عمل الشيخ » قال : « وأنا قد عملت له هذه الكنافة » قال : فأخذ في عملها وأفرغ عليها الزبد والعسل الكثير في مثرد كبير وغطاها وقال لي : « خذها على يدك » ، وأغلق بيته وجئنا إلى الشيخ أبي هارون ، فقال : « ما هذا ؟ » فقال له أبي : « كان عندي - أصلحك اللّه - شيء من سميد وعسل وزبد ، فقالت لي نفسي : « اعمل كنافة للشيخ أبي هارون تأكلوها معه » ، قال : فكشفها فأعجبت الشيخ ، وقال : « يا أبا بكر ، آثرنا بالطاجن أولئك المساكين والنساء والأطفال ، فعوضنا اللّه عزّ وجلّ ما هو خير منه » . وقال أبو عقال « 62 » : خرجت أنا وأبو هارون يوما ومعنا عشرة « 63 » مثاقيل نفقة كنا استعددنا بها « 64 » للسفر ، وكانت مصرورة معي ، إلى أن عرض لنا سائل [ وقال لنا ] « 65 » : « واسونا مما رزقكم اللّه ، يرحمكم اللّه ويعظم أجوركم ! » فقال لي : « يا ابن غلبون ، اعطه تلك العشرة التي معك » ، قال : فوقفت عن إعطائها وشححت بها ، وخفت أن ألتجئ إليها . ثم قال لي : « يا ابن غلبون ، اعطه تلك العشرة التي معك [ وتوكل ] « 65 » على اللّه تبارك وتعالى » فأعطيته إياها . ومشينا قليلا وإذا بفارس خلفي مبيض بأشد ما يكون من الجري ، فأعطاني صرة وقال : « خذ ، يا أبا عقال « 66 » » ، ثم مضى الفارس حتى غاب في الطريق . ثم مشيت حتى لحقت أبا هارون ، وهو يومئذ على المقدمة ، فعطف عليّ قبل أن أكلمه وقال لي : « يا ابن غلبون ، أعطيت عشرة فأخذت مائة ، مثل هذا العزيز الكريم يتاجر معه ؟ أما سمعته
--> ( 61 ) في الأصل بدون اعجام وفي التاج : ( كنف ) : الكنافة : القطائف . ( 62 ) في الأصل : ابا عقال . ( 63 ) في الأصل : عشر . ( 64 ) في الأصل : استعددناها . ( 65 ) زيادة من الناشر السابق . ( 66 ) في الأصل : يا عقال .