عبد الله بن محمد المالكي

519

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

في جماعة من بلدان شتى ، قال : حدثني أبو بكر بن سعدون « 20 » ، رحمة اللّه عليه - وكان من أهل الزهد والعبادة والرواية - قال : حججت وأدركت بمكة أبا هارون الأندلسي وأبا عقال بن غلبون ، رحمهما اللّه تعالى ، وكنت أجلس إلى حلقتهما . فلما قضينا الحج جلست إليهما على سبيل العادة ، وقد أخذ الناس في أهبة الرحيل ، فقال لي أبو هارون « 21 » الأندلسي : « يا أبا بكر ، أنت مقيم أو راجع إلى المغرب ؟ » فقلت له : « بل مقيم » فقال لي : « ألك بالمغرب أحد ؟ » فقلت له : « بلى ، لي والدة » فقال لي : « وكيف ينبغي لك أن تتخلف عنها ، ولعلها متشوقة إليك ؟ » قال ، فقلت له : « لي عذر يوجب إقامتي » فقال : « وما هو ؟ » فقلت : « قلة النفقة » . قال : فمد أبو هارون يده إلى خرقة مصرورة فدفعها إليّ وقال لي : « أنفق منها حتى تصل إن شاء اللّه تعالى » ، قال : فنهضت وخرجت مع الناس راجعا إلى المغرب ، فما كنت أصل إلى مرحلة فأحتاج فيها إلى شيء إلا وجدته في تلك الصرة ، حتى وصلت إلى المغرب » . قال الشيخ أبو الحسن « 22 » : وكان في آخر مجلس المغربي شيخان من أهل القيروان ، فكأنهما أنكرا / على الشيخ حكايته ، فارتفعت الأصوات بالنكير عليهما ، فسمع الشيخ جلبة الناس ، فرد وجهه إليهم فقال : « ما لكم قد أكثرتم الكلام ؟ » فقال الناس : « أصلحك اللّه ، إن هذين الشيخين قد أنكرا حكايتك هذه التي حكيت » ، فتغير وجه الشيخ واحمر وقال : « اللّه يعلم أني ما قلت إلا ما أخبرني به أبو بكر « 23 » وما كذبت عليه ، ولكن ما أرى هذين الشيخين يموتان « 24 » على الإسلام » .

--> ( 20 ) في الأصل : أبو بكر سعدون والتصويب من ترجمته وهو أبو بكر محمد بن سعدون الجزيري التميمي ( الرياض 2 : وفيات 344 ) . وقد أشار المالكي إلى صحبته لأبي عقال وأبي هارون . ( 21 ) في الأصل : أبي هارون . ( 22 ) هو القابسي : أبو الحسن علي بن محمد الفقيه . ( 23 ) هو ابن سعدون المذكور في صدر هذه الحكاية . ( 24 ) في الأصل : يموتا .