عبد الله بن محمد المالكي

517

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

وذكر عنه أنه قيل له في علته التي مات فيها : « لو تعالجت ؟ » فرفع رأسه إلى السماء وقال : « إلهي وسيدي ، قد أعطيتك من نفسي عهدا أني لا أخالفك أبدا » ، ثم حول وجهه إلى الحائط وقال : « آه ، وا شوقاه إلى حبيب إذا غضب عفا وإذا رضي شفى » . [ قال أبو عقال ] « 5 » : « فلما احتضر وضع رأسه في حجري ودموعه تنحدر وشفتاه تتحركان « 6 » ، فنظر إليّ وأنا أبكي فقال لي : « يا أبا عقال ، لم تمر أعمال القوم باطلا . نزل « 7 » كل واحد على ما عمل » ، ثم فاضت نفسه » . وكان يسأل اللّه عزّ وجلّ أن يجعل قبره بالبقيع . قال عمران بن حفصون : كنت في حلقة حماس بن مروان القاضي « 8 » حتى دخل عليه رجل عليه مرقّعة صوف ، فقام إليه وأجلسه موضعه وحوّل وجهه إليه . ثم جلس معه ساعة وخرج ، فقام حماس معه فقال له : « يا سيدي لا تفعل » فقال : « هذا فرض عليّ » . فقال له الطلبة وابنه « 9 » سالم : « يا سيدنا ، من أين هذا الرجل ؟ » فقال لهم : « هذا أبو هارون الأندلسي ، وهو مجاب الدعوة ، وهو من الأبدال ترجى بركة دعائه . يا بني الحقه وخذ بحظك منه » . فلحقه سالم فدفع إليه خمسة دنانير ودراعة وجبة صوف ومنديلا وسراويل « 10 » . ثم أعلم أباه بذلك ، فلما كان من الغد دخل إليه فقال له : « يا سيدي ، رأيته كما كان أول مرة في مرقّعته الصوف وفي العباءة التي كان فيها » ، فقال له حماس : « يا بني ، ذاك من الأبدال يتأسى « بأهل الصّفة » ، لا تبيت معه بيضاء ولا حمراء « 11 » ولا

--> ( 5 ) زيادة يقتضيها السياق . وقد أخذناها من سياق النصّ . وقارن برواية المعالم 2 : 231 . ( 6 ) في الأصل : وشفتيه تتحرك . ( 7 ) كذا أمكننا قراءة هذه الكلمة . وقرأها ناشر الطبعة السابقة : برك . والمعنى واحد . ( 8 ) حماس بن مروان بن سماك الهمداني . ترجم له المالكي في الثاني من الرياض . ( 9 ) في الأصل : وابنا . وسالم بن حماس . مذكور بين فقهاء إفريقية . ترجمه الخشني في طبقاته ص 178 . ( 10 ) في الأصل : وسراويلا . ( 11 ) في الأصل والمطبوعة : لا يبيت معه بيضا ولا حمرا . وقارن بقول ابن غلبون الوارد في المعالم 2 : 230 : « اني عاهدت اللّه ان لا تبيت معي بيضاء ولا حمراء ، انما لك من الدنيا قوتك والباقي صدقة ، وكذلك قال لي معلمي أبو هارون الأندلسي » .