عبد الله بن محمد المالكي

460

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

وكان « 9 » ، رحمه اللّه ، على غاية من التواضع : يجلس محتبيا زائلا عن صدر مجلسه ، فالجاهل به لا يعرف أنه صاحب المجلس . وكان « 10 » يركب بالشند « 11 » حتى عوتب في ذلك ، فاشترى سرجا دنيا كالقتب ، فكان يركب بين السلال إذا ذهب إلى منزله . قال محمد بن بسطام « 12 » : كنت ليلة في بيتي ، وكانت ليلة شتوية « 13 » ، إذ ضرب عليّ الباب ، فخرجت إليه فإذا به [ محمد بن عبدوس ] « 14 » وعليه جبة صوف وقلنسوة فرو ، فقلت : « أصلحك اللّه ، ما الذي أتى بك وأخرجك في هذا الوقت ؟ » فقال : « يا محمد ، ما بتّ هذه الليلة غما منّي بفقراء أمة محمد عليه السلام ، وهذه مائة دينار ذهبا » - وأخرج بها يده من طوقه - « غلة ضيعتي في هذه السنة ، أحبّ أن تفرقها على الفقراء والمستورين ، ولا يذهب النهار غدا عنك وعندك منها شيء » . فأخذتها منه وانصرفت . روى « 15 » بخط ابن حكمون « 16 » بيده ، وكان من أصحاب ابن عبدوس ، قال « 17 » : ذكر محمد بن عبدوس رجلا في مجلسه ، فتكلّم فيه بكلام سوء وأكثر من ذلك ، فقال له إسحاق أخوه : « يكفيك من القول فيه ما قلت » فقال له محمد : « واللّه ما يكفيني ، سمعت سحنون بن سعيد يقول : « إذا صح عندك فجور الرجل فلا تتورع أن تقول فيه حتى يحذره الناس ، لا واللّه ما يكفيني » . وذكر « 18 » الشيخ أبو الحسن القابسي ، رحمه اللّه تعالى ، عن ابن عبدوس أنه

--> ( 9 ) النصّ في طبقات الخشني ص 133 والمدارك 4 : 226 واسنداه عن أحمد ابن نصر . ( 10 ) النصّ في المدارك 4 : 226 . ( 11 ) كذا في الأصل . وفي المدارك : على الشند . ونقدّم تعريفنا بالشند فليراجع . ( 12 ) الخبر بهذا الاسناد في المدارك 4 : 226 . والمعالم 2 : 140 . ( 13 ) في المدارك : ليلة شاتية . ( 14 ) زيادة من المدارك والمعالم . ( 15 ) في الأصل : ورأى . ( 16 ) هو أبو محمد سعيد بن حكمون . من أصحاب ابن سحنون وابن عبدوس . توفي سنة 307 . المعالم 2 : 358 - 359 . ( 17 ) الخبر في المعالم 2 : 141 . ( 18 ) الخبر في المدارك 4 : 227 والمعالم 2 : 139 .