عبد الله بن محمد المالكي

435

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

الفقير فعسى بك أنك لا تجد « 39 » عنده ما يتعشّى عياله وأطفاله ، وإن كان عندهم ما يتعشون به فأنت تضيق عليهم في عيشهم وتشق عليهم وإن لم يظهر لك ذلك ؛ وإن قصدت الغني وجدت عنده خبزا طيبا من القمح الذي « 40 » حرثه في أرضه التي ورثها عن أبيه وجده ، وتجد عنده زيتا طيبا وتينا فاخرا من ميراثه أيضا ، وعسى أن يذبح لك خروفا من غنمه ، وهي ترعى أراضيه وزيتونه ، فتسره ولا تدخل عليه بمضرة وتجد بغيتك وتأكل شهوتك . فخطوت في الطريق ثلاث خطوات ، ثم استيقظت من نومة الجهل والهوى فقصدت الطريق إلى قرية الفقير ، فاجتمعت به ، فرحب بي وفرح ، وأنزلني عنده . فلما حضر العشاء ضرب علينا إنسان الباب ، فخرج إليه صاحب الدار فدخل رجل / وعلى يده صحفة كبيرة فيها ثريد بخبز القمح وعليها لحم خروف سمين ، فقال لي : « كل ، أيدك اللّه » فأكلنا حتى شبعنا ، وحمل الفضلة إلى عياله . ثم ضرب الباب مرة أخرى ، فأتى بطبق في وسطه صحفة فيها زيت فاخر وحولها تين فاخر ، فقال لي : « كل ، يرحمك اللّه » ، فأكلت حتى بلغت أمنيتي من ذلك ، فقلت له : « من أين هذا ؟ فأنا أعرف أن هذا ليس من مقدرتك » فقال : « صدقت ، ولكن أتاني من عند جاري » فقلت له : « صح به » ، فأتاني به . فقلت له : « من عندك هذا الطعام ؟ » قال : [ نعم ] « 41 » ، فقلت له : « أكنت منا على وعد ؟ » فقال : « لا ، لكن كان عندنا خروف سمناه ، فلما كان في هذا اليوم حلا بقلوبنا ذبحه ، فذبحناه وطبخناه وصنعنا « 42 » له الخبز ، وثردناه « 43 » . فلما رأيت جارنا قد نزلت به ، قلت : « هذا الرجل صالح وليس يعرفه وليس يستضيف به إلا رجل صالح مثله ، ونعرف أن ليس عنده طاقة » ، فقلت للزوجة : « نحن نجد العوض عن

--> ( 39 ) كذا جاءت العبارة في الأصل . وروايتها في المدارك عساك لا تجد . ( 40 ) في الأصل : إلى . ( 41 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 42 ) في الأصل : وصفينا . والإصلاح من عند الناشر السابق . وربما تكون رواية الأصل صحيحة . وفي المعجم الوسيط ( صفو ) : صفّاه : أزال عنه القذى والكدرة ، ونقاه مما يشويه . ( 43 ) في الأصل بدون إعجام . والصواب ما أثبتنا . وينظر : المدارك . وقرأها ناشر الطبعة السابقة : بردناه .